لكل الناس وطن يسكنون فيه، أما نحن فلنا وطن يسكن فينا

الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2009

دراسة: قبل الرحيل: إيقاع الوجع والذاكرة

قبل الرحيل :إيقاع الوجع والذاكرة
د . يوسف حطيني


لماذا يفترق الناس ؟ لماذا هم مجبرون على أن يفعلوا ذلك ؟نفقد الأعزاء دوماً .. بالسفر .. بالموت .. من نحب هم الذين يرحلون " ص 134 .
يحاول يوسف جاد الحق من خلال روايته ( قبل الرحيل ) أن يجيب على هذه الأسئلة وأن يطرح أسئلة خطيرة على العقل العربي ، في مواجهة كارثة فلسطين التي جاءت تتويجاً لسلسلة من المؤامرات والظروف الدولية التي كرّست الوجود الصهيوني فوق أرض السلام .
لقد تناولت هذه الرواية تطورات القضية الفلسطينية بتفصيلاتها العديدة ، بدءاً من وقوع فلسطين بين براثن الانتداب، وانتهاءً بخروج مئات الآلاف من الفلسطينيين خارج أرضهم ، مروراً بكل ما قام به المستعمرون والمستوطنون اليهود من مجازر، وما أطلقوه من وعود زائفة للعرب، وما قدّم العرب من تضحيات على المستويين الوطني والقومي ، كل ذلك جاء بلغة روائية دالة ، قادرة على أن تحمل أفكارها ، وتصوِّر بكثير من الدقة والشفافية أزيز الرصاص ، وصرخات المقهورين ، ونجوى القلوب التي مازالت صغيرة على العشق .
* * * *
"لماذا يفترق الناس ؟ لماذا هم مجبرون على أن يفعلوا ذلك ؟نفقد الأعزاء دوماً .. بالسفر .. بالموت .. من نحب هم الذين يرحلون ".
إن هذه الأسئلة هي أسئلة الرواية برمتها ، أسئلة ( أمين ) ذلك الراوي /البطل الذي حمل عبء تقديم الرواية ، وكيف لا تكون كذلك و( أمين ) هو الذي منح الرواية إيقاعها الأكثر بروزاً : إيقاع الفقد الذي يجلّي وجهاً مهماً من أوجه المأساة الفلسطينية ، وهو الذي كان وفق منطق الرواية الأفدح خسارةً ، لقد فَقَدَ ( أمين ) أباه إثر إطلاق النار على الناس عشوائياً من قبل جنود الانتداب ، وفقد، بالتالي ، الحذاء الجديد الذي وعده به إذا كان ترتيبه في الصف جيداً ، كما فقد ، جزئياً،أمه التي استسلمت للزواج أخيراً ،كما فقد الأستاذ عبد الخالق والأستاذ شاكر ،وعلى مستوى الأصدقاء فقد صبحي السيلاوي الذي قضى غرقاً وأحمد المصري الذي سقط شهيداً خلال الدفاع عن ( يبنا ) التي احتضنت معظم أحداث الرواية . وقد جاءت تجارب أمين مع الأنثى لترسّخ الإحساس بوطأة الفَقْد ، حين ضاعت مريم الحب الأول من بين يديه ، بسبب ضغط العلاقات الاجتماعية السائدة التي تستنكر لقاءهما ،لأنهما أصبحا كبيرين بعد أن كانا طفلين ينعمان بما تتيحه الطفولة من الحرية ، وحين ضاعت مي التي زاملته في المدرسة وهجرته إذ هجرت يبنا بعد أن نقِل مدير المدرسة /أبوها بسبب مواقفه الوطنية . أما سارة اليهودية التي حاولت أن تقنع أمين بطيبة اليهود وحسن نواياهم (!!!)فإن فقدانها جاء خياراً " قسرياً " لأمين الذي اكتشف بعد فوات الأوان زيف ادعاءاتها ، واكتشف أن وجود المهاجرين اليهود في أرضه ، مهما كانت الأيديولوجيات التي يحملونها أو يدعونها، هو اعتداء صارخ على الفلسطينيين والعرب والمسلمين في كل مكان .ونلاحظ هنا أن وصول أمين إلى فتحية : الأنثى الوحيدة التي وصل إليها ، أو كاد ، كان متأخراً لأن هذا الوصول جاء متزامناً مع فقدان الوطن .
مثل هذا الفقد نلمحه أيضاً في حياة كثير من الشخصيات ، فالجميع فقد الأحبة ، نلمحه عند مي وفتحية ، وأم سعيد / أم أمين ، في صوت أم عدنان التي فقدت ولدها ، إذ تقول خلال العزاء الذي أقيم بعد استشهاد أبو سعيد : "كما ترين نربي أبناءنا الأيام والسنين .. نفني أعمارنا في تنشئتهم نبني عليهم آمالنا العريضة ثم نفقدهم في طرفة عين .. يد غريبة تجيء من أقصى الأرض ، تضغــط على الزناد ، وينتهي كل ما بيننا "..ص13 .
لقد ظهر هذا الفقد أيضاً من خلال تصوير جزئيات الأحداث ، وارتبط بإيقاع الحزن الذي تنتقل عدواه إلى القارئ الذي يختزنه غيظاً وألماً كسيراً وغضباً مهيض الجناح ، وفي المقطع التالي نلمس واحداً من أبرز إيقاعات الحزن في الرواية ، وهو لا يحتاج إلى تقديم من أي نوع ، لأنه قادر أن يقول الكثير ، وأن يستثير ما في الأعماق دفعة واحدة :
"قيل أن امرأة غادرت الرملة تحمل وليدها على صدرها .. خطفته من فوق سريره عندما سقطت قنبلة في ساحة دارها ، وأشعلت النيران في أرجائها . وبعد أن خلّفت المدينة وراءها ، تبين لها أنها تحمل وسادة ..! ظل الطفل هناك .. فقدت على الفور المرأة عقلها .. وهي تجوب الآن شوارع رام الله محتضنة وسادة إلى صدرها .. تهدهدها وتناغيها " .ص 283.
وتبلغ هذه المأساة ذروتها حين يقف الحزن في مواجهة سيف الانتداب الذي يمنعه ، ونحن هنا لسنا أمام تراجيديا إغريقية تمجد الحزن ، فالانتداب الذي منع الفرح في الديار الفلسطينية يمنع الحزن أيضاً: فبعد استشهاد أحد المناضلين ينقل إلينا الروائي حـزن النسـاء الذي يسوِّره الخوف : "انخرطن في البكاء ، ولكن في حذر واضح ،خشية أن ترتفع أصواتهن فتبلغ الشارع (…) كيلا ينكشف أمر الشهيد وانتماؤه إلى هذه الأسرة، من قبل الدوريات الإنكليزية" .ص 21 .
ثمة أيضاً إيقاعات كثيرة تقرّع الآذان ، إذ يبرز إيقاع الرحيل وإيقاع القمع ، ومظاهر القتل العشوائي والإبادة الجماعية ،وهدم المنازل ،، وهاهي قوات الانتداب تقدم إحدى وسائل القمع التي استوعبها الصهاينة فيما بعد :
" وضعوا علامات على بعض المنازل والدكاكين والمقاهي لكي يقوموا بنسفها بعد أيام ".ص23 .
* * * *
وعلى الرغم من أن القمع كان فوق الاحتمال في معظم الحالات ، فقد حاول الفلسطينيون وأخوتهم العرب أن يوقفوا المأساة ، ويسقِطوا المؤامرة ، على الرغم من قلة السلاح وقلة الأموال وافتقاد القيادة القادرة على الإفادة من أشكال النضال الشعبي واستثمارها ، فكثيراً ما كانت الجنازات تتحول إلى مظاهرات تندد بالانتداب وتطالب بالاستقلال وسقوط وعد بلفور ، وقد تعرّضت الرواية إلى فعاليات النضال اليومي ضد المستعمرين : ( الثوار يهاجمون محطة رخبوت القريبة من المستعمَرة /تدمير عدد من الأكواخ في مستعمرة "غان يبنا" بعيد البدء ببنائها في محاولة لمنع إتمام هذا البناء /منع التعامل التجاري مع اليهود ومهاجمة القوافل التجارية التي تتعامل معهم /قتل العملاء الذين يشترون الأرض من الفلسطينيين ويبيعونها لليهود /كثيرون من الناس عمدوا إلى بيع حلي نسائهم ، حين عجزوا عن توفير المال من سبيل آخر ،من أجل شراء بندقية وذخيرة / الناس يحفرون الخنادق ، ويقيمون المتاريس ونقاط المراقبة ، ويقومون بنوبات الحراسة / المعلمون يثقفون طلابهم ثقافة وطنية (الأستاذ عبد الخالق يثقف طلابه عن فلسطين وبلفور مما يدل على وعي مبكّر عند الأطفال الذين يسألونه:" نريد أن نفهم لماذا يقتل الإنكليز أهلنا ؟ لماذا يعتدون علينا ؟ هؤلاء الذين استشهدوا بالأمس وهذه المباني التي نسفوها ..لماذا يفعلون هذا بنا ؟" ص44 .
وفي هذه الرواية يسعى يوسف جاد الحق إلى تصوير الوعي القومي عند الفلسطينيين العرب الذين بدوا على الرغم من خطورة قضيتهم وتعقيدها ، منشغلين بالهم العربي، فقد وقفوا على سبيل المثال إلى جانب الشعب العربي في مصر، ونددوا بتدخل الإنكليز في شؤون مصر الداخلية ، وناصروا نضال الشعب العربي السوري ضد وحشية المحتل الفرنسي .
ولم يكن الروائي في هذه الرواية كاتباً تنقصه الجرأة فقد أدان التأخر العربي الرسمي في نصرة شعب فلسطين ، وأشار إلى أخطاء الثورة التي عمدت إلى تصفية مناوئيها " مما أدى في حالات غير نادرة إلى وقوع ضحايا بريئة " ص ص 60 _ 61 .
من هنا فقد رصدت هذه الرواية باقتدار تفاصيل القمع ، ورصدت بالمقابل تفاصيل الرد الشعبي ، واستطاعت أن تنتمي بجدارة إلى الأدب الثوري ، كما استطاعت من جهة أخرى أن تنتمي إلى النوع الأدبي الروائي الذي ادعته لنفسها من خلال الوعي بعناصر الرواية والشغل على هذه العناصر بطريقة متميزة ، سواء أكان ذلك في تنوع أشكال تقديم الزمن والمكان الروائيين أم في بناء الشخصيات الروائية ، وذلك عبر لغة تستفيد من الثقافة النقدية والتجربة والذاكرة والوجدان .
* * * *
تطل علينا الرواية منذ البداية بافتتاح مكاني :
" تقع قريتنا فوق رابية تتوسط سهلاً فسيح الأرجاء ، يحيط بها من كل جانب ، يكتظ بالكروم وبيـارات البرتقال ،كما تنتشـر في بعض جنباته حقول القمح وبساتين الفاكهة من كل نوع ولون. " ص 5 .
ومن خلال هذه الافتتاحية يسعى جاد الحق إلى تأكيد ما بات مؤكداً ، وهو أن الرواية الفلسطينية رواية مشغولة بالمكان ، تصف العام والخاص ، وتمنح تفاصيل المكان بعداً إنسانياً دالاً ، وتجعل عدم الاتساق الذي أوجدته الطبيعة آية من آيات الجمال .
إن " جمالية الفوضى " تتبدّى هنا في أبهى مظاهرها ، فالقرية التي ينتمي إليها ( أمين ) بطل الرواية / يبنا تصبح أكثر جمالاً حين تتعرض للخطر ، وانتماء البطل إليها كافٍ ليجعل منها لوحة فنية أخّاذة:
" على الرغم من كل شيء كانت ( يبنا ) تبدو لوحة فنية ، ارتجلتها الطبيعة على غير نسق أو نظام ، فصنعت من ذلك المزيج المتنافر جمالاً أخاذاً ". ص 6 .
وتماماً مثلما يحدث في الروايات الفلسطينية تنشغل الرواية بوصف المدن والقرى ، وكأنها تقوم بإجراء دفاعي يهدف إلى حفظ المدن الفلسطينية في ذاكرة الشعب ، لمواجهة التغييرات التي يفرضها المجتمع الاستيطاني الصهيوني عليها . نقرأ عن القدس ويافا والرملة التي ولدت مع الزمن ، كما نقرأ عن المستوطنات التي تنمو نمواً شيطانياً كما ينمو نبت غريب في أرض غريبة ، ها هي ذي القدس تطل علينا بأزقتها وشوارعها :
" … الشوارع والأزقة المتفرعة عنها ، ذات الأسقف المغطاة والقباب العتيقة كأنها ولدت مع التاريخ". ص 155.
إنها القدس من خلال رموزها الثقافية والدينية التي تجسِّد انتماءها إلى التاريخ العربي والإسلامي، وهذا الأمر الذي يستوجب عملياً هدفاً لا يصرِّح به الكاتب مباشرة ، وهو حشد التأييد العربي والإسلامي لحماية المقدسات ، يقول أمين إن عمه الهندي حدثه عن الصخرة :
" هذه قبة الصخرة التي يحكى أنها ارتفعت من مكانها على الأرض حينئذ ، لكي تلحق بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام ، ساعة انطلق مع جبريل عليه السلام يعرج إلى االسماء ، فأشار إليها بيده الكريمة ، فتوقفت حيث هي معلقة هكذا في الفضاء ." ص 156.
وكذلك الرملة فقد جاء وصفها حميمياً ، ذا مقدرة فائقة على حشد التاريخ من خلال تصوير أثره على الأشياء ، ومن خلال إبراز الآثار التي تدلّ على قِدَم الإنسان الفلسطيني في أرضه : الأقواس الشرقية والمآذن والقباب ، والزخارف ، وحتى الألبسة التقليدية التي تتضافر مع مفردات المكان لتقدم فضاءً مأهولاً بجدارة الانتماء الفلسطيني إليه:
" المباني والدكاكين والبيوت بني الكثير منها بالحجارة وبعضها باللبن ، تنتشر الأقواس الشرقية في معظم مبانيها ، والنوافذ الخشبية المزخرفة برسوم جميلة ، مآذن وقباب كثيرة ، الرجال يرتدون (القمباز) والطربوش وشملة عريضة ." ص 143.
ولا يقف الروائي في وصف المكان عند الأماكن العامة المفتوحة ، كالمدن والقرى ولكنه يصور كذلك الأماكن المغلقة ، وهو إذ ذاك يستطيع ببراعة أن يمنح المغلق إمكانية الانفتاح ، فالبيت الذي ينحصر ، وفق التصور العام ، بين جدرانه ، يصبح مع جاد الحق مكاناً مفتوحاً يستفيد من حجارته للإطلال على ما من شأنه أن يمنحه حدوداً أكثر اتساعاً . في وصف البيت يصادف النسق المكانيّ التالي :
"لم يترك لنا [ أبو سعيد] الشييء الكثير ، اللهم إلا هذا المنزل العتيق . لم يكن شيئاً على أية حال : غرفتان تمتد أمامهما شرفة هي في الواقع مصطبة مرتفعة ، وقد بني البيت من الحجر الرملي ، المتوافر في محاجر القرية مجاناً لمن يشاء ." ص 16 .
وحين يصف الروائي مسجد القرية الأثري يغدق علينا التفاصيل الكثيرة ، ويستطيع تماماً _ كما فعل عند وصف البيت _ أن يجعل المغلق مفتوحاً ، من خلال وضع لمسة السحر الواقعية التي تفتح عقولنا على كل ما هو مألوف في ذاكرتنا الشعبية ، حتى لا تصاب هذه الذاكرة بجريمة النسيان :
" وعند القمة يقوم مسجد القرية الأثري ، الذي يرجع تاريخ بنائه إلى أوائل الفتح الإسلامي لهذه الديار ، قبل نيف وثلاثة عشر قرناً ، وتكتنف المسجد ساحة فسيحة يتجمّع فيها ، معظم النهار وشطراً من الليل ، لفيف من الباعة الذين لا يفتؤون يعلنون عن بضاعتهم بأصوات تملأ المكان ضجيجاً : عرقسوس .. فلافل .. ملبّس .. كرابيج حلبية…" ص 5 .
ومن الطبيعي ألا يعجز الروائي أن يفتح مقهى أبو سالم ، المقهى يصبح مفتوحاً إذ يجلس فيه الشباب لكي يمتعوا أبصارهم بالصبايا اللائي يحملن الجرار ، ويصبح مفتوحاً كذلك حين يجعل المذياع صلة وصل بين الداخل والخارج :
" تتعالى النداءات : شاي ثقيل ..قهوة سكّر قليل .. سكّر زيادة فيما يصدح صوت المذياع بأغاني أم كلثوم أو عبد الوهاب الجديدة ." ص 37 .
*وثمة فكرة تبدو شديدة الإلحاح على إحساس جاد الحق نتيجة إحساسه الدافق بالمكان ، وتتلخص هذه الفكرة في العمل علىترسيخ صفات المكان من خلال ربطه بأضداده ، مما أدى إلى نشوء تقاطبات مكانية عديدة . فمقهى أبو سالم على سبيل المثال يناقض المقاهي في مستعمرات اليهود أو في تجمعاتهم ، حيث يمكن للمرء أن يرىالراقصات اللائي يبرزن صدورهن ، ويكشفن عن سيقانهن للرائح والغادي ، ويافا التي تكتظ بالناس من كل صنف ولون ، تختلف عن الرملة التي تبدو نساؤها "محجبات بالملاية السوداء والمنديل على الوجه ". ص 143 .
وحين يعقد جاد الحق مقارنة بين قرانا ومستعمرانهم يحاول أن يكشف التناقض الصارخ بينهما / بين الغني والفقير ، بين المستعمِر والمستعمَر ، بين المضطهِد والمضطهَد ، فالأغراب الذين جاؤوا من أفاصي الأرض ينعمون بكل شييء أما أصحاب البلاد الأصليين فهم ، رغماً عنهم ، على هامش التطور:
" من خلال نوافذ الحافلة بدت أنوار تناثرت على مدى البصر، قيل لنا إنها مستعمرات أضيئت بالكهرباء : رخبوت .. عيون قارة … في الجنوب والشرق حيث قرانا تملأ السهل ، بدت نقاط قليلة من أضواء واهنة ، كاد يخفيها ضوء القمر." ص117 .
وكثيرا ما تمتد التقاطبات على مساحة النص الروائي وتتعدى بناء المكان إلى غيره من الأشياء ، فالتضاد ظاهر في كل شيء ، في المأكل والملبس والعادات .. ففي أعيادهم تجد الخبز الأبيض وشرائح لحم الخنزير وأصابع النقانق والخمر والعهر ، أما في أعيادنا فتجد الكعك والمعمول ورائحة المحلب وشذى الينسون تملأ البيوت .لذلك من الطبيعي أن يستهجن الراوي / أمين أي طعام أو شراب أو تصرف غير مألوف قياساً إلى بيئته :
" في المساء كنا ثلاثتنا في رخبوت (...) الخواجات يتأبطون أذرع النساء جهاراً نهاراً ، بل يقبلونهن أيضاً في الطريق العام . " ص 196 .
إن هذا الإصرار على إبراز التناقض الكبير بين الجلاد والضحية هو ، في حقيقته ، تعبير صريح عن رؤية جاد الحق لمستقبل الصراع ، فالتطبيع مع الكيان الصهيوني لا يمكن أن يتم ، ولا يمكن أن يؤتي ثماره إلا في خيالات المطبِّعين والمطبلين .
* * * *
وتطرح هذه الرواية أنواعاً مختلفة من الشخصيات تختلف في تمايزها وتراتبها وكيفية بنائها ، إذ ثمة شخصيات نموذجية كشخصية البطل والعدو والأنثى المشتهاة ، وثمة أيضاً شخصيات تفرضها طبيعة الفن الروائي ، وهي الشخصيات الرئيسة والثانوية التي اختلفت طرق بنائها وفق مقتضى منطق الرواية .
نماذج الشخصيات :
آ _ الشخصيات العربية :
تلجأ الرواية ، حين تريد تكريس قيمة من القيم أو رفضها، عبر أقصر الطرق ، إلى تقديم شخصية معروفة ، لها تاريخها ووقعها في الذاكرة الثقافية والشعبية ، أو تلجأ إلى تقديم نموذج اصطلح الناس على صفاته ، وقد لجأ جاد الحق إلى الطريقتين معاً ، حين ربط النضال بصورة الشهيد عز الدين القسام ، وحين قدّم شخصيات من خلال صفاتها العامة المشتركة . فشخصية البطل الثوري _ وهي شخصية طاغية الحضور في الأدب الفلسطيني ـ تظهر من خلال صفاتها المألوفة : انتصاب القامة ، والطول ، واللون الأسمر ، والعيون الحادة :
" تذكرت محمد المغاري (…) كان طويل القامة ، مهيباً ، أسمر الوجه ،له شاربان دقيقان ، وقد عقفا إلى أعلى ، كذيل العقرب ، عند طرفيهما ، عيناه حادتان كعيني صقر ، يرتدي كوفية بيضاء يطوقها عقال أسود ، يمشي منتصب القامة شامخ الرأس ، وهو يضم أطراف عباءته السوداء ، فيبدو كأمير شرقي في حكايا ألف ليلة وليلة . " ص 21 .
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى شخصية الأب الذي قتل على يد قوات الانتداب البريطاني ، وهي شخصية طيفية تستمد شرعية حضورها الطاغي من طريقة موتها / استشهادها ، فالأب الشهيد جاهز دائماً للمجيء ، وصورة مقتله لا تغيب عن ذاكرة أمين :
" وعلى حين غرة أخذوا يطلقون الرصاص (….) وفي ذات اللحظة رأيته يضع يده على صدره ، تجـحظ عينـاه .. يرتجـف .. الدمـاء تنبثق من صدره ..تفلت يدي من قبضته ..يترنّح .. يتهاوى . " ص11 .
ويمارس طيف الأب دوراً شبيهاً بالدور الذي مارسه هاملت ، إذ يبقى هذا الطيف ملاذاً لأمين ، يؤنس وحشته ويعضده ، وحين يبدأ الرحيل الكبير يحثّ الأب ، من خلال أمين ، المهاجرين على البقاء ، ولكن الهاربين من جحيم الموت لا يلقون إليه بالاً .
وثمة أيضاً شخصية الفلاح النموذج الذي تضمه إلى غيره صفات أبرزها الفقر والوطنية والاستعداد للانخراط في النضال ، والطيبة التي تبلغ في بعض الأحيان حدّ السذاجة ، إذ إن بعض الفلاحين كان يعتقد أن المذياع ، الذي لم يكن معروفاً بعد على نطاق واسع ، يضم بداخله رجلاً قادراً على الغناء وقراءة الأخبار وتلاوة القرآن :
" لم يكن الراديو شيئاً مألوفاً بعد في تلك الأيام (….) حسب بعضهم أن ذلك الجهاز يحتوي رجلاً داخله يصدح بالغناء ، وهو نفسه يتلو القرآن ، ويأتيهم بأنباء المشرق والمغرب (….) وهو قاعد في مكانه ." ص 7 .
وقد برزت لدى الروائي شخصية طريفة غاية الطرافة ، وهي شخصية الأنثى المشتهاة وتعود طرافتها إلى كون هذه الأنثى لم تجتز عتبة النضج الجنسي الحقيقي ، وكان سعيها إلى الجنس الطفولي طريقة من طرق تأكيد الهوية الأنثوية ، ولكن هذه الطرافة تصبح مألوفة حين يكرر الروائي هذا النموذج ، إذ يلاحظ القارئ عدم وجود فارق جوهري بين عزيزة وأمينة . فعزيزة تدعو أمين إلى ذلك الشيء الغامض السحري حين تخبّئ المنديل في صدرها وتدعوه إلى أخذه :
" أمسكت بيدي لتدفع بها إلى حيث خبأت المنديل ، أحسست بقشعريرة غريبة ، إذ وجدتها _ يدي _ تلامس لحماً طرياً ساخناً ." ص162.
وكذلك فإن أمينة التي تلكّأَ حين دعته إلى الدنو منها ، تطرح الموقف ذاته :
"اقتربت هي ، فأصبحت أمامي تماماً ، صدرها الناهض يرتفع ويهبط بتسارع غريب .. أوشك صدرها أن يلامس صدري(…) بعفوية مباغتة وجدتني أدنو منها .. أحتضنها ..أضمها إليَّ بحنان."ص211.
ب _ الشخصيات المعادية :
1 _ نموذج الإنكليزي :
تبدو الشخصيات الإنكليزية الذكرية _ إذ لا توجد شخصيات أنثوية مهمة في الرواية _ مشترِكة في أربع صفات أساسية ، فالإنكليز كما تقدمهم الرواية مجرمون ، وعديمو الرجولة ، ومتآمرون مع الصهاينة وخاضعون لابتزازهم . إن مظهر الإنكليز "لا يوحي بالبطولة ولا بالشجاعة أو حتى بالرجولة ، الخوف بادٍ على وجوههم بجلاء ، على الرغم من البنادق التي في أيديهم ." ص 22 .
ولكن هؤلاء يستمدون قوتهم وبطشهم من السلاح الذي يحملونه مما ينتج عسكرياً إنكليزياً سفاحاً يمارس هواية قتل الفلسطينيين كما يمارس الآخرون أي هواية أخرى ، والكولونيل وينجت هو أحد هؤلاء :
" لقد دأب هذا على التفنن في أسأليب اقترافه لجرائمه ، لكأنه يقوم بعمل يحبه ويعشقه ." ص 86 .
وقد بلغ القمع الإنكليزي للعرب حداً جعل هؤلاء يشنقون رجلاً عثروا بحوزته على عدة رصاصات فارغة وبالمقابل فإن يهودياً واحداً " لم يشنَق رغم أكداس السلاح التي بحوزتهم ." ص 52.
وتؤكد الرواية مدى تورط الإنكليز الذين ساعدوا اليهود في إخفاء الأسلحة في أماكن يدّعي اليهود أنها مزارع / مثل مزرعة نيتر اليهودية التي يقوم بداخلها معمل للسلاح .
2 _ نموذج اليهودي :
أما الشخصية اليهودية فقد بدت في الرواية شخصية مخادعة ، ومن أنصع الأمثلة على ذلك شخصية محمد الشريف الذي ادّعى أنه انتقل من المسيحية إلى الإسلام ، وضحك على ذقن العرب ، مستغلاً عطفهم وطيبتهم وسذاجتهم ، وغادر يبنا قبل سقوطها ، بعد أن وضع للأهالي رسالة "يشكرهم!!" فيها على حسن استضافتهم له ، ويخبرهم أنه يهودي وأن اسمه شلومو مزراحي .
كما قدمت الرواية صورة واضحة لغدر اليهود بحلفائهم الإنكليز فقد قام مناحيم بيغن بتفجير باخرة باتريا التي كانت تحمل عدداً من المهاجرين اليهود ، حتى يتهم الإنكليز بذلك ويلصق بهم تهمة إعاقة الهجرة ، مما يدفع الإنكليز لمحاولة تبرئة أنفسهم أمام اليهود ، وفتح أبوب الهجرة على مصراعيها وقد بلغ اليهود _ حين قويت شوكتهم _ حدّاً من الصفاقة جعلهم يقتلون وزيراً بريطانياً في القاهرة ، وينفذون أعمالاً ضدّ الإنكليز بالقرب من القرى والمدن العربية حتى يوحوا للإنكليز بأن العرب هم الذين ينفذون هذه الأعمال .
كما أبرزت هذه الرواية صورة اللص اليهودي الذي يسرق الأراضي والأسماء والقلوب الضعيفة ، فقد كان اليهود يشترون الأراضي عن طريق الوسطاء ، ويستولون غصباً على بعضها ، ويسوّرون القرى العربية بالمستوطنات من كل جانب ، وحين يبدؤون بإنشاء مستوطنة غان يبنا يتساءل الناس مستنكرين :
" .. ألم تكفهم رخبوت وريشون في الشمال .. ؟ إنهم يطوقوننا من كل جانب ..
.. حتى الاسم .. يبنا . تصوروا حتى أسماءنا يسرقونها ". ص 125 .
ولا تهمل الرواية الصوررة الأكثر بشاعة لليهودي الصهيوني وهي صورة السفاح الذي يمارس قتل العرب بمختلف الأشكال ،أحياناً بالقرعة وأحياناً بالخداع من أجل تكثيف حملة الإبادة الجماعية:
" ..دير ياسين.. ذبح اليهود أهلها .. النساء قبل الرجال .. الأطفال قبل الشيوخ .. نسفوا البيوت فوق أصحابها .. بقروا بطون الحوامل .. ذبحوا الأجنة والأطفال في جحور أمهاتهم .. ألقوا بالجرحى أحياء في آبار القرية .. عرضوا النساء عرايا في الطرقات قبل أن يجهزوا عليهن .. ربطوا الشبان بمصفحاتهم يجرونهم على الأرض جرّاً حتى تتحطم أجسادهم ويلقوا نحبهم "ص 279.
إن مجزرة دير ياسين البشعة التي لن تغادر صورتها الذاكرة العربية تبدو هنا بتفاصيلها المرعبة ، والروائي الذي يدين المجزرة علناً ، لا يفوته أن يدين ضمنياً وسائل الإعلام _ حتى العربية منها _ إذ أسهمت إسهاماً كبيراً في بثّ الرعب ، وبالتالي ، في المشاركة الساذجة وربما غير المقصودة في تهجير الفلسطينيين من أرضهم .
"لم يصدقوا أول الأمر لكن الإذاعات من مصر والقدس والشرق الأدنى مضت في وصف ما حدث على نحو مفزع" . ص279.
أما مجزرة الرملة فيشير الروائي إلى ممارسة خدعة بشعة لتنفيذها ، فهو يروي أن القوات الصهيونية دخلت المدينة بالدبابات الأردنية ، وهي ترفع الأعلام العربية ، وترتدي خوذات الجيش الأردني ، دون أن يشير صراحة إلى الطريقة التي وصلت بها تلك الأشياء إلى الصهاينة ، وهكذا عزفت الرشاشات والبنادق لحن القتل المفاجئ :
"الجيش الأردني جاء لنصرتنا ( … ) وفيما الناس كذلك في هرجهم ومرجهم وذروة حماسهم وبهجتهم ، بغتة : عصفت الرشاشات والبنادق ، تحصد الجموع المحتشدة حصداً ، تساقط العشرات والمئات في لحظات " .ص 282.
وفيما يتعلق بالشخصية اليهودية الأنثوية ، فقد كانت نموذجية تماماً واستفادت من صورة اليهودية في الأدبيات العربية عامةً ، إذ استخدمت هذه المرأة رأس مالها / أنوثتها وجسدها من أجل خداع الشخصية العربية ، حتى إن سارة التي تغري أمين بالجنس _ ولكنه يتراجع بعد قبلتين _ تحاول تبرير الهجرة اليهودية لفلسطين ، فتقول :
" لا تكرههم يا أمين لأي سبب ، لأنهم بؤساء مساكين ، هتلر يعمِل فيهم القتل ، وهم يأتون إلى هذه البلاد للنجاة بأرواحهم ، هم عائدون إلى أرضهم الموعودة ..! " . ص 169.
ويروي أمين لنا قصة صديقه نعيم مع البولونية الشقراء فيقول:
" حدثني نعيم مساء ذلك النهار عن بولونية صغيرة شقراء زعم لي بأنها أحبته ، وأنها غدت تسعى لرؤيته كل يوم ، وهي تحدثه عن بلادها التي دمرها الألمان أوّل اجتياحهم لأوروبا". ص174.
ولكن الذي يجب أن يقال هنا هو أن هذه الشخصيات النموذجية جميعها ، على الرغم من ألفتها ، تبقى ضرورة فنية لا غنى عنها لإقناع القارئ ،الذي ليس من الشرط أن يكون عربياً ، بمقولة الرواية التي تؤسس للحق الفلسطيني الذي أجهض على يد الباطل الصهيوني .
* * * *
ويؤسس يوسف جاد الحق شخصياته مستفيداً من تراثه في القراءة الروائية والنقدية ، ويبني شخصياته الرئيسة والثانوية من خلال الوصف الجسدي والنفسي ، ومن خلال أثرها في الأحداث، أو أثر الأحداث فيها ، وكشفها من خلال حواراتها مع الشخصيات الأخرى ، وتحتل شخصية أمين / الراوي البطل دوراً مركزياً أهّله أن يكون صلة الوصل بين الرواية والقارئ ، وقد بدا هذا الطفل / الفتى الذي كبر على مدى الرواية نحو سبع سنوات ( من ثماني سنوات حتى خمس عشرة ) يافعاً يحب العلم الذي حرمه الفقر والاستعمار من متابعة تحصيله ، حساساً تجاه فقره ، عزيز النفس، لا يرضى، بحكم تربية الوالدة أن يأخذ من أصدقاء المدرسة الأغنياء شيئاً :
" أولاد الهمص ،إسماعيل العطار ، أولاد الجمل ، أهلهم أغنياء يلبون لهم حاجاتهم ، يرتدون ملابس جديدة في المناسبات ، ولديهم أحذية جديدة أيضاً ، وثياب مختلفة في ألوانها وأنواعها ، كما أنهم لا يفتؤون يشترون الشوكلاته والملبس من الدكاكين ، أو يحضرونها معهم ، يعرضون علي شيئاً منها فأمتنع حين أتذكر وصايا أمي . " ص 31.
ولأنه كان حساساً تجاه فقره ، فقدكان يعمل في كل شيء ، في دكان الحلاقة ، وفي قطف البرتقال، وفي معسكرات الإننكليز ، وإن كان لا يخفي حلمه الكبير بأن يكون حلاقاً :
" طموحي أخذ يمتد إلى أبعد من ذلك : أن أغدو قادراً ،في وقت ليس ببعيد ، على القيام بتلك الحركات العديدة ، التي أجمـل ما فيها أنها لا لـزوم لها البتة ،فأطقطق بالمقـص حول الرأس والعنق … " .ص29 .
إضافة إلى ذلك تجسّد هذه الرواية تبلور الوعي الوطني عند أمين ، هذا الفتى الذي تربى في أحضان أم ترى أن وجود الإنكليز في فلسطين هو الظلم بعينه ، ولا تنسى عند سقوط الشهداء أن تلعن الإنكليز:
" انطلقت أمي مسرعة إلى الغرفة المجاورة تبحث عن شالها وجواربها ، فيما هي تصب اللعنات على الإنكليز ويوم الإنكليز . " ص21 .
هذه الأم التي تعدّ الزوج هو الربّ الأصغر الذي يجب أن يطاع في كل شيء ، و"تحمل عبئاً تنوء بحمله خمس نساء" . ص65 من زراعة وكناسة وعجين وخبيز ، تجسّد في أفعالها مجموعة من المواقف الوطنية ، فهي على الرغم من فقرها ، لا تفكّر في أن تبيع الأرض لليهود :
:" حتى لو فرشها هؤلاء ذهباً، حتى لو متنا جوعاً ، وصية المرحوم : الأرض يا عائشة .. الأرض هي العرض …" ص 98 .
وكثيراً ما تروي هذه الشخصية بعض الأحداث بلغة تتناسب مع بساطتها ، وطيبتها ومنطقها اللغوي الذي ينطلق من مستوى ثقافتها مما يقنع القارئ بأنها شخصية تكاد تكون من لحم ودم . وها هي ذي تروي حكايات الأولياء نقلاً عن الأب :
" _ ومن أنتَ ؟
_ أنا ولي من أولياء الله .. سوف أتوضّأ لصلاة الفجر من هذه الجرة ، جزاكم الله خيراً وبارك لكم في جرتكم وفي نسلكم
( …) أكدت وا لدتي ذلك : والله سمعته بأذني يا خضرة كما أسمعك الآن ". ص 133 .
غير أن هذا الأمر قد يفوته في أحيان قليلة إذ تتحدث هذه الشخصية بمنطق يفوق ثقافتها ، فالأم تعارض ، أول الأمر ، ساخطةً ، مشروع الزواج الذي يعرضه عليها الجد والخال ، مستخدمة مفردات خارجة عن حدود ثقافتها :
" هل مصلحتي هي أن أدع أولادي يعيشون يتماً مزدوجاً ؟ " . ص 34.
غير أن هؤلاء الأولاد : سعيد ، وأمين ، وعلياء عاشوا يتماً ثلاثي الأبعاد حين فقدوا الأب والأم، بشكل ما ، وفقدوا أخيراً : الوطن .
وقد تنبه جاد الحق حتى في بناء شخصياته الثانوية إلى تصوير انعكاس الأثر الفسي للحدث على صفاتها ، فالجدّ النموذجي الذي يحدب على أحفاده تختفي صورته حين يهدد مستقبل الأسرة ، وحين يعرض على الأم الأرملة فكرة تزويجها يتحول في نظر أمين إلى شيء آخر :
" بدت لي تقاطيع وجه جدي بغيضة وغير متناسقة ..! أنفه الكبير هذا حبذا لو قص قليلاً من جانبيه، عيناه الضيقتان تجلبان المقت ، أنيابه التي اصفرّ لونها كأنياب نمر …" . ص 105 .
أما أثر كارثة فلسطين فقد بدا في نشيد البكاء الجماعي ، في وجوه الشخصيات المكفهرّة التي فقدت نضارتها ، يتساءل أمين :
" أهذه فتحية ؟ نضارة الوجه وإشراقة المحيّا ..والبسمة الآسرة في عينيك ..كأنك لم تعرفي الابتسام في يوم من الأيام . " ص 293.
إنها النكبة القاسية التي تفقِد الناس وضعهم الاجتماعي وثقافتهم ووجودهم ، بل تفقدهم كل ما يمتلكون من صفات ، بسبب توترهم ، إن عامر البهنساوي الذي يغمد خنجراً في صدر صديقه كامل دعسان بعد شجارهم بسبب أغنية (!!) يجسّد إلى حدّ كبير أثر النكبة في الناس ، فعامر لم يولد مجرماً، ولا خائناً للصداقة ،ولكن ضياع الوطن أفقده كل تلك الأشياء الجميلة التي يحتفظ بها في قلبه.
إذاً لقد غيرت الكارثة الناس ، جعلت أبو صابر الذي أنفق عمره في الثورات على الإنكليز واليهود ، خجولاً من ابنه الذي ذهب " ليتطوع مع الإنكليز ، أولاد الكلب ، ليحارب الألمان جنباً إلى جنب مع المتطوعين اليهود " . ص 78.
كما غيرتْ شَخصيةَ أحمد المصري الذي جسّد باستشهاده قومية المعركة على المستوى الشعبي إذ كان يلاحق سارة / الأنثى ، فصار يهاجم اليهود بالكلام أولاً ، ثم سقط شهيداً وهو يدافع عن يبنا .
* * * *
لقد استطاع يوسف جاد الحق أن يرصد كل تللك التطورات العاصفة التي امتدت ، كما نقَدِّر ، بين عامي ( 1941 و1948 ) من خلال لغة رشيقة ، محمولة في الأغلب على كاهل السارد الأساسي / أمين مستفيدة من كل ما يتاح لها في تقديم عناصر النص الروائي ، فخروج الشخصية من البيت فجراً لا يعوّقه حضور الزمن لأن الزمن إذ ذاك يغدو جزءاً من نسيج السرد :
" الديكة تبدأ صياحها .. وحيَّ على الصلاح .. حيّ على الفلاح تحملها الريح من الأعالي .. وأمضي إلى حيث لا أدري .. بعيداً .. بعيداً.." ص274.
وهو يعتمد في تقديم الأحداث على وسائل ، ليست على قدر كبير من الألفة في الرواية العربية ، فيعتمد أحياناً على المذياع ، وهو هنا يعرض من خلال المذياع لنموذج من الخداع الذي كان يمارسه الإنكليز ضد العرب:
".. وإن حكومة صاحب الجلالة تعد شعب فلسطين بمنحه الاستقلال في أقرب فرصة ممكنة بعد انتهاء الحرب مع المحور . وما على هذا الشعب الكريم سوى أن يخلد إلى الهدوء مطمئناً إلى هذا الوعد" . ص 58 .
كما يقدم الروائي الحدث من خلال الصحف والمنشورات ، وهو يعرض هنا منشوراً من المنشورات التي وزّعها الإنكليز على الأهالي ولم يلتفت إليها إلا الصغار الذين وجدوا فيها شيئاً جديداً :
" إن قادة عصاباتكم ، أمثال القاوقجي وعبد القادر الحسيني ، وأبو درة ، وحسن سلامة ، وعبد الرحيم لم يجلبوا لكم سوى الخراب .. فتخلوا عنهم .." . ص 55 .
* * * *
وتمتلك لغة الرواية عند جاد الحق بعداً اجتماعياً بالغ الحضور على أكثر من مستوى ، إذ إن العادات العربية الفلسطينية موجودة في تضاعيف معظم الصفحات ، فالخال والجد يلحّون في تزويج أم سعيد من أبي صفية ، وآل المغاري يريدون أن يرثوا فاطمة بعد استشهاد خطيبها ، ومريم التي كبرت يجب ألا ترى أولاد الحي ومنهم أمين طبعاً ، والطعام على روح الميت حاضر ، وكذلك طعام الأفراح ، ولكل مناسبة عاداتها وتقاليدها ، ففي فرح غازي الجمل على فاطمة التي استشهد خطيبها نقرأ السياق السردي التالي :
" الساحة تغصّ بالصبية والأطفال ، الأنوار الساطعة تغمر المكان حتى كاد أن يتحول إلى نهار ، مدت الحصر والبسط المزركشة تحت سرادق علِّقت على جوانبه سجاجيد فاخرة ، وتدلت من سقفه مصابيح باهرة الضوء." ص 80 .
ويعكس مجتمع الرواية سذاجة الناس التي تحكم في كثير من الأحيان بدلاً من المنطق العقلي، فحين ينقلب مقلى الفلافل بمحتوياته جميعاً على يد أمين وثيابه تنهال النصائح على أمه لمعالجة حروقه من استخدام البيض وزيت الكاز إلى ماء الملح وزهرة الغسيل.. ص 64 . وكذلك حين دلقت أم عيشة الماء المغلي على رأس ابنتها في الحمام تلبسها عفريت (!!) فأخذوها للشيخ عبد الجبار الذي كسّر على جسدها حزمة من عصي الخيزران دون أن يتمكن من إخراج العفريت الذي تلبّسها إثر تلك الحادثة .ص 148.
ويحاول الروائي من خلال كل تلك الوسائل أن يقنعنا بالواقعية ، حتى إنه يستخدم الأغنية الشعبية في المناسبات المختلفة ، فحين توفي الأستاذ شفيق موسى راح أحد الرجال يصدح بموال حزين :
" أوف..أوف..أوف
يا حسرتي على مين راح ومضى
وعلى اللي ودع احبابه ومضى
أوف..أوف
شفيق زين الشباب راح ومضى
بس يا ريت ما يطول الغياب " .ص237.
كما لجأ الروائي إلى استثمار المحفوظات الشعبية ورصد الأزياء الفلسطينية لتحقيق الغاية ذاتها فالأم تقول بعد استشهاد الأب : " وكّلت أمري إليك يا رب .. على رأي الحاجة : العبد في التفكير والربّ في التدبير."ص 19 .
وخالة أمين تبدي إعجابها بالأزياء الفلسطينية التلحميّة، وهنا يحقق جاد الحق هدفاً مزدوجاً ، فهو يحيل أولاً على الواقعي ، ويدافع ، ثانياً ، عن الأصالة العربية الفلسطينية من خلال رموزها الشعبية :
" مرت بنا نساء تلحميّات أبدت خالتي إعجابها بأزيائهن . الثياب الطويلة حتى القدمين ، بيضاء أو سوداء مطرزة على الصدر والجانبين .." ص 145.
ولا يفوت الرواية أن تفيد من الثقافي في تكريس الهم الوطني الجماعي الاجتماعي ، فهي تعرض لقصيدة الثلاثاء الحمراء الشهيرة التي نظمها الشاعر إبراهيم طوقان تخليداً للثوار الذين شنقوا عام1930 على يد الإنكليز: وهم محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي ، يقول طوقان :
قسماً بروحكَ يا فؤاد صعدتْ جوانحها زكيّه
عاشت نفوس في سبيـــــ‏ل بلادها ذهبت ضحيّه ." ص 51.
وقد استطاع الروائي أن يوظف الحوار ، وأن يمنحه بعده الاجتماعي ، ومقدرته الفائقة على التعبير عن الشخصيات ، والمجتمع الذي يحكمها بآفاقه الفكرية ، وفي حوار بين الصغيرة مريم والصغير أمين، يحاول أمين أن يتجاهل غدر الزمن الذي حكَمَ عليهما بالكِبَر ، وجعلهما في غفلة منهما يخسران طفولتهما التي كانت تبيح لهما غير المباح قي الأعراف والعادات ، فحين يعطي أمين باقة من الزهر لمريم يخلق الموقف الحوارَ العفوي التالي:
_ هل نسيتَ أني ذاهبة إلى البيت .. ؟
_ وماذا في ذلك يا مريم .. ؟
_ لا شيء ..!
_ إذن تأخذينها ..
_ وماذا أقول لهم يا شاطر .. ؟
_ ولكن هذه ليست أول مرّة .
_ كان زمان .. عندما كنا صغاراً ..!
_ وهل أصبحنا الآن كباراً .. ؟ ومنذ متى ؟
_ هم يقولون ذلك ..كبّرونا رغماً عنّا ..! ص 95 .
* * * *

إن هذه الرواية ، باختصار ،‏‏ تحاول أن تقدم شيئاً للرواية الفلسطينية وللهوية الفلسطينية ، وإذا كان الأعداء قد نجحوا حتى الآن في سرقة الأرض ، فإنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في سرقة الذاكرة الشعبية ، وهم ـ بالتأكيد – غير قادرين على ذلك ما دام هناك أدب ثوري ، قادر أن يحقق شرط الوطنية ، وشرط الانتماء إلى الإبداع .

د . يوسف حطيني
دمشق ‏31‏ ‏آب‏1999

دراسة: حالة شغف: حكاية التاريخ: حكاية الحكايات


حالة شغف :حكاية التاريخ..حكاية الحكايات!!

د.يوسف حطيني


رواية جديدة للكاتب الروائي والمسرحي والدرامي السوري نهاد سيريس تضاف إلى تراكم ثرِّ ونوعي يعمل على ترسيخه عبر كل ما يقدمه من إنتاج أدبي متميز . الرواية الجديدة حملت عنوان "حالة شغف " وهي تحاول أن تؤسس لحالة شغف موازية عند القارئ الذي يبدو عنصراً مهماً من عناصر البناء الروائي، إذ إن نهاد يوضح له بعض الأشياء ويحاوره ويعتذر منه أحياناً ،في محاولة منه لكسر الحاجز بين المبدع والمتلقي ،في عصر صار فيه المتلقي منتجاً آخر للنص الإبداعي .
"فإن وجدتني أخي القارئ لا أجيد كتابة القصص فاعذرني ..ثمّ إني قد فتحت كتاباً أدبياً بالأمس فوجدت المؤلف قد استهل كتابه بالاعتذار من قارئه لأن الكتاب غير كامل والكمال من صفات الخالق "ص19.
حتى إن نهاداً يقحم القارئ في السرد الروائي ذاته ويقيم علاقة مميزة بين الراوي والمتلقي الذي يجد نفسه في أتون الحدث :"وأريد هنا أيها القارئ أن أعترف أنني شعرت في هذه اللحظة ببعض الخوف خصوصاً وأن البيت يكتنفه كثير من الغموض"ص53.
ولكن :ماذا عن الحكاية ؟ وما الإطار الذي اختاره الكاتب لروايته ؟
إنه إطار اجتماعي،كما يبدو للوهلة الأولى ،يرصد حالة شغف مثيرة بين الراوي الشيخ ووداد ، وحالة شغف أكثر إثارة بين النساء والنساء ،وإذ تصدم هذه الحالة بعض القراء فإنها لا تفقد مبررها الحبكوي ،ولا منبتها الواقعي ،ولا تفقد كذلك القدرة على إثارة المتعة والتشويق..
إنها حكاية موظف يذهب في اتجاه قرية أبي الفدا ،في مهمة وظيفية شاقة ،وحين تتعطل السيارة تبدأ معركته مع الليل والكلاب ، وينبت بيت وسط الظلام ،وفي البيت شيخ،وفي فم الشيخ حكاية فيها الكثير من الإثارة:
وداد التي تصل إلى حلب باحثة عن الخوجة بهيرة بعد موت أمها بديعة ( تلك الأم التي أنجبت ابنتها نتيجة علاقة حب مع ضابط تركي)ولكن الأم التي تسير على طريق أمها
تتمرد على الخوجات ونظام الجنس المثلي ، وتفعل مثلما فعلت أمها تماماً حين تجد الرجل الذي نكتشف فيما بعد أنه الراوي الشيخ ذاته ، وإذ يفترق الشيخ عن وداد لا تجد لاحقاً إلا أن توصي ولدهما أن يلتحق بالشيخ ليكون شاهد الحكاية وشهيدها الذي يحاول أن يحبسها في صدر الشيخ دون جدوى ،لأن الحكاية تأبى إلا اكتمالاً.. ليعود الموظف في آخرها إلى بيته بعد أن انتهى من أسرها.
* * * *
غير ان الذي يدقق في الخلفية التاريخية للرواية يقرأ ، بين السطور، تطور الأحداث التاريخية التي شهدتها سورية في ذروة نشاط الأحزاب الوطنية إبان أفول العهد التركي، حين يجد الأتراك أنفسهم في مواجهة العرب من جهة والإنكليز من جهة أخرى.والوطنيون العائدون من فرنسا لا يضغطون على منطق الرواية ، والكاتب الذي يرافق الشخصية الرئيسة وداد خلال وصولها إلى حلب يحتال ، وهذا احتيال مشروع ، علينا ليقدم بشكل غير مباشر، وصول الكتلة الوطنية ، دون أن تفقد حكاية وصول وداد مع الوفد حيويتها إذ إن مكان وصول الوفد هو مكان اللقاء الأوّل بين وداد والشّيخ "فكل واحد يريد إلقاء نظرة على رئيس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي الذي كان يرئِس الوفد وإلى سعد الله الجابري ابن المدينة والسياسي الأنيق ..وهناك من كان محتاراً إلى من ينظر إليه ، فمن النادر أن يجتمع في مكان واحد وفي زمان واحد كل هذا العدد من الوطنيين ورجالات السياسة إلى جانب رجالات الحكم الاستعماري "ص26.
ولا يبدو التاريخ الذي ينسرب من بين السطور سياسياً فقط إذ ثمة حياة اجتماعية تاريخية تتحرّك ، وثمة توثيق غنائي يرصد المغنيات والراقصات ، يقول الشيخ للموظف:
"وأستطيع هنا أن أعدد لك أكثر من واحدة من المغنيات والراقصات والعازفات ممن عرفتهن المدينة مثل أَسّامة التي كانت أشهر مغنية في حلب (…) كما كانت هناك إنعام توفيق ووفاء صدقي وبهية السودا وبههية البيضا.."ص34.
ولابد هنا من الإشادة بهذه الرواية لأنها استطاعت أن تخرج من مأزق التأريخية المباشرة التي قلما تنجو منها رواية تتعامل مع الموضوعة التاريخية ، ولنا هنا أن نتذكر رواية "بوابة الجنة"لحسن سامي اليوسف التي تنجح من الخروج من المأزق ذاته حين تجعل الانتفاضة الفلسطينية إطاراً عاماً لحكاية الرواية.
ونستطيع أن نلمس تميّز هذه الرواية من خلال تنوع طرق الأداء الزمني ،إذ يخلق نهاد كثيراً من حالات الاسترجاع الداخلي والخارجي ، ويقيم نوعاً من التجاور المغامر بين الماضي والحاضر .فالموظف / الراوي الأساسي يقطع خط سيرورة الرواية من أجل الالتفات إلى الماضي ، ويحس نهاد بعين الناقد الخبير أن هذا القطع للحاضر جاء مفاجئاً ، فيعتذر ـ الراوي لا الروائي ـ من قارئه،ويغدو اعتذاره جزءاً مسوّغاً تماماً من أجزاء الحبكة :
"قبل أن أتابع في سرد حكايتي هذه أجد لزاماً عليّ أن أحكي شيئاً عن ابنة المرهج هذه ، وليعذرني القارئ بسبب هذه الاستطرادات فقد حذرته منذ البداية بأنني لا أفقه شيئاً من أساليب كتابة الحكايات"ص10.
وهو كثيراً ما يراوح بين هذين الزمنين ، فيأخذك من خلال الحكاية نحو الماضي ثم يعيدك إلى الحاضر بشعور غامض أو حركة غريبة أو كأس شاي :
"دخل الخادم علينا وبيده إبريق من الشاي الحار
(…)
وما إن خرج وأغلق الباب حتى جاءني صوت الشيخ الهادئ الرخيم: ظلّت وداد واقفة خارج المحطة ساعة كاملة"ص27.
وقد أثْرت الحكايات الزمن الروائي إثراءً كبيراً ،فالحكاية تدخلك إلى حكاية جديدة ، والزمن الماضي يتجه إلى الماضي الذي قبله ،ثم ينبثق الحاضر لينشّط الذاكرة ويلم ما تبعثر من الخيوط. وإذ يستغرق الماضي الراويين الشغوفين به / الموظف والشيخ/ لا تفقد الحكاية إنسانيتها، ولعل أكثر التطورات تعبيراً عن البعد الإنساني لها هو موت الشيخ قبل إتمامها.. فالشيخ يموت بعد أن يسرد تلك الكلمات السحريةالتي تصور لقاءه الجنسي الحميم مع وداد . وحين يطلب منه الموظف أن يتابع يقول:
"والآن اتركني أرجوك .. لاأريد أن أفقد متعتي ..إنني أستعيد تلك اللحظات التي قضيتها بين يديها "ص212.
لقد مات الشيخ في هذه اللحظة تماماً لأنه أراد ،وفق المنطق السيريسي، أن يغلق عينيه على لحظة النشوة المستعادة ، وهو ما تمكن تسميته بـ" تبئير لحظة النشوة" ، وهذا يعيدنا إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح حيث تطلب جين مورس من مصطفى سعيد وهي في أوج نشوتها أن يضغط خنجره بين النهدين، مثلها في ذلك مثل ظبية نجران في رواية "شارع الغاردنز" لأفنان القاسم ،و"في الدارة أعلى التل" لسومرست موم إذ يطلق رجل بسيط النار على نفسه بعد أن يعانق جسد سيدة لم يكن يحلم بالنظر إليها.
وبعد أن ينتهي الرجل في "حكاية شعف"قبل الحكاية تكشف الوثائق التي كانت بحوزته زواجه من جليلة التي ماتت فيما بعد و الرسالة التي تخبره فيها وداد أن اسماعيل هو ابنه ، وعندها يكتشف الراوي سبب خوف إسماعيل من الحكاية ،ويغادر البيت الذي كسر رتابة حياته المملة.
* * * *
ويعتمد سيريس اعتماداً كبيراً على الاسترجاعات التي تأتي على شكل استطرادات مقصودة تدل على الحرفية الروائية لديه، وإن كان الراوي يحاول أن يقول غير ذلك : "قبل أن أتابع في سرد حكايتي هذه أجد لزاماً عليّ أن أحكي شيئاً عن ابنة مرهج هذه ـ وليعذرني القارئ بسبب هذه الاستطرادات فقد حذرته منذ البداية بأنني لا أفقه شيئاً من أساليب كتابة الحكايات ". ص10.
فالاسترجاع ديدن الزمن الروائي ، والتوازي بين الزمنين الماضي والحاضر هو لعبة الرواية الأساسية ،فبعد حكاية قصة مرهج وابنته يعود بنا الكاتب إلى الزمن الواقعي، ثم إن الحكاية الرئيسية التي يرويها الشيخ تقوم في أساسها على الاسترجاعات المتلاحقة التي تستحضرها ذاكرة الشيخ أمام هذا الغريب ،والشيخ المتعب الذي يرى خلاصه في الحكي الماضي كثيراً ما يتفيّأ بالحاضر ، مستظلاً بوضعه الأسري والاجتماعي باحثاً بين فترة وأخرى عن محفّز للذكرى أومستعدّاً لنوم قلق أو لطعام أو شراب يقدمه الخادم / الابن الذي ظلّ مجهولاً بالنسبة للراوي إلى أمد بعيد ، ثمّ يخرج ليفتح الماضي على حكاياته من جديد:
"وما إن خرج وأغلق الباب حتى جاءني صوت الشيخ الهادئ الرخيم:ظلت وداد واقفة خارج المحطة ساعة كاملة". ص27.
وعلى الرغم من أن الابن / الخادم يريد إعاقة الحكاية ولو اضطر إلى قتل الراوي، فإن هذا الراوي يستسلم لغواية الحكاية استسلاماً عجيباً متجاهلاً المتاعب التي قد يتعرض لها نتيجة لذلك ، حتى إنه صار يعدّ محفّزاً من محفّزات الحكاية، فهو يقول للشيخ :"لقد تركنا وداد في عربة حنتور ،برفقة السائق الذي كان يتلصلص إلى وجهها الجميل ،وبيدها مظروف كتب فيه عنوان الخوجة بهيرة..ماذا حصل بعد ذلك؟"ص57.
إنها الحكاية التي لا تريد أن تنتهي ،لأنها إذ تنتهي تنفتح على حكاية جديدة ، فالراوي الأساسي يخاف من الشيخ ويخشى من تآمر الخادم / الابن معه، ويروي لنا إذ ذاك حكاية الخادم الذي تآمر مع صاحب البيت ليجعلا من زائرهم خادماً لهم مدى الحياة…إضافة إلى مجموعة من الحكايات التي تنبق وسط السرد كما نبق ذلك البيت الغريب بعد معركة الكلاب/حكاية عبود السنكة وحكاية كردو الجبل الذي يذكّر بصعاليك العرب في العصرين الجاهلي والأموي ، وحكاية خديجة الخادمة مع زوجها وعروسه التي قتلته ، وحكايات الصراع بين بهيرة وسماح على استجلاب الفتيات الجميلات …إلخ /.
ويذكر هنا أن الحكايات التي يرويها الشيخ تنتمي إلى الماضي زمانياً ، ولكنها مكانياً تنتمي إلى حاضر وزّعه الشيخ على جدران بيته على شكل صور ،ويشار إلى أن بيت الشيخ كان مؤثثاً تأثيثاً يلتفت كثيراً إلى الوراء .يقول الراوي واصفاً غرفة الشيخ :
"كانت الجدران مليئة بالصور المؤطرة ، لم يكن هناك مكان لصورة أخرى (…) كانت صور نساء ورجال ..أطفال وشيوخ (…) كلهم كانت له علاقة بهم يوماً" ص41.
ويبدو الراوي ، ومن ورائه الروائي ، مهتماً إلى حد كبير بملاحقة المكان الأليف والغريب على حد سواء ، وفي حالة بيت مثل بيت الشيخ الذي يثير وجوده في مكان منعزل كثيراً من الغرابة لا يدري المرء ما الغريب وما المألوف.ويذكر هنا أن ألفة المكان في وسط الفضاء الموحش كانت أول ما أثار غرابة الراوي الذي كان يلاحق بعينه جميع التفاصيل: " وللغرابة كانت نوافذ البيت واسعة ، اقتربت من النافذة المضاءة ونظرت إلى الداخل : كانت هناك مرآة كبيرة تعكس نورالمصباح إلى الخارج مما جعلني أشاهد من بعيد المصباح وانعكاسه على المرآة.. كانت الغرفة واسعة مفروشة على طريقة أهل المدن الأغنياء، شاهدت لوحات زيتية معلقة على الجدران وأثاث فخم ومريح ومدفأة حطب مبنية في الجدار"ص13.
وحين يعتاد الراوي على المألوف الذي كانت ألفته تثير الدهشة ، يلعب نهاد لعبته الجديدة ويواكب حاجة البناء المكاني إلى التشويق ، إذ يدخل الراوي المصرّ على سماع الحكاية والخائف من إسماعيل الخادم / الابن إلى غرفة إسماعيل نفسه، وينفتح المكان عندها على الغرائبيّ:
"عند الباب المفتوح ، شاهدت أنه بانفتاحه يخفي باباً آخر، كان عليّ أن أُغلق باب المطبخ لأعاين ذلك الباب، وهذا ما فعلته.. وكان الباب الثاني ضيقاً لا يزيد عرضه عن الستين سم بدون مسكة عند القفل لفتحه (…)حسبت أن الباب مقفل ولكنني تجرّأت فدفعته وإذ به ينفتح إلى الداخل.. هذه إذاً غرفة إسماعيل"ص132.
وللأمانة فإن المرء يلمس اهتماماً بالغاً بالمكان وتأثيثه في هذه الرواية ويمكن هنا أن نتذكّروصف صالون بيت الشيخ /ص43/ ووصف المظهر الخارجي لبيت بهيرة /ص58/ وحوش بيتها الذي كان "عبارة عن مربع غير مسقوف تطل عليه نوافذ الغرف من الجهتين الغربية والشرقية وكان هناك درجان في الجهتين الأخريين يقودان إلى المربعات والأسطح بينما احتلّ ديوان كبير مفروش بعدد كبير من المقاعد والكنبات الجهة القبلية (…) أما وسط الحوش فقد احتلته بركة ماء…."ص60.
* * * *
فيما يتعلق بالشخصية فإن نهاد سيريس يبنيها بالطرق المتاحة كافة ، مستخدماً التسمية والبناء الجسدي والنفسي ونمذجة الشخصيات كاريكاتورياً وواقعياً ، ومن خلال قراءة الرواية نلمس تعاملاً متمايزاً مع الأسماء ،فقد تمرّ الشخصية دون تسمية ( ابنة المرهج ـ الراوي الأساسي ) وقدتحكي تسميتها شيئاً ما ، متغلغلة حيناً في وجدانه ( وداد / وداد الحقيقية) أو في لعبته الفنية ، وعندها يصبح اختيار الاسم جزءاً لازماً للحبكة الروائية:
"كانوا قد أرسلوا لوداعها عبدو السنكة وهو ولد مجذوب بنصف عقل أطلقوا عليه اسم السنكة لأنه اجتاز أحد الأيام الحدود التركية(…) فطعنه أحد الجنود الأتراك بالسنكة، فصار يعرج وصار مضحكاً أكثر وهناك عاهة ثالثة تجعله مضحكاً جداً ففي صف أسنانه العلوية الأمامية فجوة كبيرة تجعله يصفر دون قصد حين يتكلم " ص21.
ونستطيع هنا أن نطالع امتزاجاً بين التسمية والوصف الجسدي للشخصية كما نستطيع أن نطالع مثل هذا الامتزاج بين دور الشخصية وعالمها الداخلي ( وداد / الشيخ ) إلا أن هذا لا يكون صحيحاً دائماً إذ تظهر بعض الشخصيات التي تكون قادرة غالباً على ضبط متغيرات الأحداث حولها كما تضبط بهيرة"بنات العشرة" لذلك فهي بحاجة أن تغير لهجتها وأسلوب تعاملها مع الأحداث ، بوصفها أخت الرجال ، مثلما كانت تغير اسمها:
" بهيرة ليس هو اسمها الحقيقي ،ولا أحد يعرف ماذا كانت تسمى ، ولعل البعض أطلق لخياله العنان فراح يدعي بأن اسمها الحقيقي كان على شاكلة حسين أو عبد الـ…. أو أبو اصطيف وغيره من الأسماء التي تطلق على الرجال بسبب شبهها بهم"ص35.
وإذ ينطلق الروائي بعيداً في وصف سطوة بهيرة وتشبهها بالرجال إذ ترتدي ثيابهم "ولا تنسى أن تضع الطربوش الأحمر" ص35. فإنه لا يفوته أن يدخل عميقاً إلى عالم الشخصية الداخلي ، ويستجلب ماضيها في استرجاع يمتد على مساحة نصية واسعة نسبياً ،تظهر فيه وقد رئست عصابة أولاد على أساس أنها ذكر ، وخلال إحدى الغارات على دجاجة هاجم أفرادُ العصابة الذكَرَ بهيرة ، وقاموا بخلع بنطلونـ (ه) ثم حاولوأ اغتصابـ (ها)، وهكذا استطاع سيريس أن يقنعنا بشخصية بهيرة وحقدها على جنس الرجال وطرد فاطمة التي جعلت من "كردو الجبل" بطلاً ذكراً تتعلق وداد بأهداب حكايته لتسير فيما بعد على طريق أمها في حبها للماضي وللرجل وللانعتاق من إسار الجنس المثلي.
ولا ينسى الروائي خلال تقديم شخصياته الرئيسة والثانوية (الشخصيات البهيرية مثلاً) أن
يهتم بالشخصيات الأقل أهمية مثل شخصية فاطمة /الخادمة وشخصية حميدة خانم التي يقدم لها نهاد وصفاً كاريكاتورياً بديعاً:
"كانت كتلة الشحم تلك بحاجة أيضاً إلى من يساعدها في الاغتسال وفي التجفيف وفي ارتداء ثيابها وترتيب شعرها . أما حين أصبحت واحداً من سكان البيت فقد كنت أجد متعة كبيرة في مراقبة امرأة عمي التي هي في نفس الوقت خالتي التي تشبه جبلاً من اللحم الأبيض المتهدّل،وفي إحدى المرات رأيتهما يساعدانها في ارتداء سروالها الداخلي"ص155.
ومثل هذا التنوع الثرّ في أشكال تقديم الشخصيات وفي غنى نماذجها استطاع الروائي أن يمنح الرواية حركتها وأتاح للشخصيات أن تقوم بوظائفها المنوطة بها دون أن تحدث الملل الذي قد ينجم عن تكرار شكل التعامل مع الحدث من قبل الشخصيات الروائية.
* * * *
إضافة إلى هذا الغنى الزماني والمكاني والشخصياتي تتضافر اللغة العالية مع لغة الحكي الشعبي لتقدم أنساقاً لغوية تناسب تطور الموقف الروائي ، ففي بداية الرواية يقدم سيريس صورة لغوية أنيسة للظلام الذي كان يكتنف الطبيعة :
"أحسست أن الظلام لم يكن دامساً بل إن السماء كانت مضاءة بنور خفيف لا يعرف مصدره .. بل هو ضوء الظلام .. الضوء المتناثر بنسق واحد والذي يجعل الظلام لا يكون ظلاماً تاماً " ص11.
وقد يبلغ التعبير الصوَري ذروته ، ويقدم لنا الروائي أنساقاً تنتمي إلى الشاعرية السردية التي تتجاوز المألوف إلى المبتكر ، وتفاجئ القارئ ـ ولا تفاجئ السرد طبعاً ـ بما هو خارق للمحفوظ والمتوقَّع :"كنت أحرس ذكرياته بواسطة بندقية"ص175.
ويغلب على السرد استخدام صيغةالمتكلم ، ولكن المتكلم ليس واحداً إذ إن تداخل الأزمنة وتداخل الروايات ،وتبادل حركة الرويّ بين الرواة ـ والراويين الأساسيين: الموظف والشيخ بشكل خاص ـ كل ذلك قاد حركة السرد إلى نوع من التشتت الممتع ، وقد يتناسل الرواة في بعض الأحيان تناسلاً محيّراً ، إذ يجد القارئ نفسه في مواجهة الشيخ الذي يروي للموظف حكاية سمعها من وداد وكانت أمها قد روتها لها…
ويلاحظ في لغة نهاد ميل للشعبي الذي يلجأ إليه بغية إقناعنا بواقعية الأحداث ، فيفزع إلى التاريخ الاجتماعي الشعبي ويقدم العديد من الوصايا (وصية بديعة لوداد بالالتحاق ببهيرة، ووصية وداد لإسماعيل حتى يلتحق بوالده الشيخ ، ووصية والد الشيخ للشيخ ، حين كان شاباً بأن يتزوج جليلة ) ويعود الروائي إلى أغاني العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي (القرن العشرين) ويرصدها ، إذ يغيب الشيخ " بعيداً مع أغنية :جمالك.. ربنا يزيده ، والليل يطول ويكيدني ،ويا آسي الحي " ص16.ويورد في بعض الأحيان مقاطع من فنون الغناء ، كالمقطع الذي يفتتح به الفصل الرابع ، وهو عتابا غنتها الخوجة بهيرة لوداد في حفلة حمّام الشهرة :
"صباح الخير يا عـود الحـور واقف
داب اللحم يا يوم وتم الغصن واقف
لأجـل عيونو السـود لأتم أنا واقف
عبـد مـرهـون لحـين الطـلب"ص110.
* * * *
باختصار تقدم "حالة شغف" نموذجاً جيداً للرواية التاريخية التي تُخضع التاريخ لمنطق السرد، وتخرج بذلك من مأزق التأريخ ، وتفهم الماضي مجموعة من العلاقات السياسية والاجتماعية والفكرية التي ينتجها أفراد ينتمون إلى حقبة محددة ،ويعيشون حياتهم بجميع حالاتها الإنسانية.


د.يوسف حطيني
25كانون الأول ‏1999‏

دراسة: مجاز العشق: لذة الكتابة في حضن الماء

مجاز العشق : لذة الكتابة في حضن الماء

د.يوسف حطيني

" أصوات كما في ساحة الشيخ ضاهر لا يلفّقها صوتك : رواية ـ ماء : رواية ـ موت : رواية ـ حياة : رواية أسطورة وبحث " . ص ص 124 ـ 125
مجاز العشق رواية جديدة للروائي الناقد نبيل سليمان تختصر المسافة بين الرواية والموت، بين الرواية والأسطورة ، رواية تَغرق بالتفاصيل ، كما تغرق بالماء ، لتعيش حياتها وفقاً لرؤية تنعي المبادئ ، وتحوّل هزيمة الروح إلى نصر مؤزّر للجسد .
* إن الاقتباس الذي لجأت هذه الدراسة إلى تظهيره في بدايتها هو واحد من الأنساق اللغوية الكثيرة التي يقدّمها الكاتب حين يبحث في هذه الرواية عن أهميتها ، وهو إذ ذاك يحاول أن يجد صيغة ترضي طموحه وتفجّر الدلالات الكامـنة في قلـبه ، وفي قـلوب الشخصيات التي تعيش قلق التجربة وقلق الكتابة.
إنها حقاً.. رواية موت : لأنهاتحمل في داخلها جثثاً تحاول أن تدقّ جدران الخزان ، جثثاً حيّة ليس لها إلا قلوبها الدافئة ، ورغبتها العنيفة في ممارسة عشق الجسد ، وهي تحاول مواجهة الموت الذي يحيط بها من جميع الجهات : فثمة فلسطين التي تموت مرتين : مرة على يد جلادها ومرة على يد الحاكمين بأمر أوسلو وعقابيلها ، وثمة موت تحمله ندوة في عمّان تجمع الجلاد والضحية علىطاولة واحدة ، وثمة موت يؤججه الوجه الكولونيالي للصراع العربي الإسرائيلي ، وثمة موت يكرسه أولئك الذين يموتون على مذبح الحياة القاسية ، وأولئك الذين يجهضون أحلامهم على مذبح التطور السياسي للقضية الفلسطينية…إلخ .
مجاز العشق أيضاً رواية أسطورة وبحث : فهي تحيل على كثير من المرجعيات التاريخية التراثية الأدبية والدينية ، كما تحيل على الرواية الحديثة والفن التشكيلي ، والتقارير المختلفة للهيئات السياسية والاقتصادية المحلية والدولية حول ما ينوي الإسرائيليون وغيرهم سرقته من العرب .
هي رواية تبحث عن الماء ، وتطلب الموت في أحضانه ، كما يطلب الراوي الموت في أحضان عشيقاته ، تُنبه على الخطر المحدق الذي يمنع مجتمع الرواية ، الذي ابتُئِر من المجتمع الممتد بين المحيط والخليج ، من أن ينشد ماءَه لذةً وغرقاً في ظل التخطيط الاستعماري القديم الجديد للسيطرة على مياه لبنان وسورية والأردن .. وهنا تمارس الرواية دورها التحريضي الفاعل الذي يترك في نفس المتلقي، بسبب تركيزه على هذه القضية ، إحساساً بالهلع على مستقبل الماء ، وعلى الحياة التي يصنعها كتابةً وجنساً وعشقاً وحرية ترفض جميع القيود التي تحاول فرض رؤيتها على ما تبقّى من عرب لا تطربهم تصريحات أقطاب النظام العالمي الجديد .
وفي ظل الهزيمة التي تبدو شاملة يحاول الروائي أن يبحث عن انتصارات محدودة يريد من خلالها أن يقنعنا ، وأن يقنع نفسه بقدرته على الفعل . ويبدو الفعل الجنسي واحداً من الانتصارات السهلة التي لا يحتاج تحقيقها إلى مواجهات كبيرة ،إذ يجد الراوي نماذج من المناضلات اللواتي يناضلن و يعبرن عن إبداعهن الجسدي بالكفاءة نفسها، يمارسن الطقس الجنسي ، ويصلحن نماذج للشرف و الأمانة ـ صبا العارف مثلاً ـ إذ يبدو الشرف عند الراوي موشوراً يُنظر إليه من زوايا مختلفة.
* يبدو البطل فؤاد الذي يحضر على مساحة السرد الروائي كله مهووساً بالثقافة والجنس ،مهووساً بالرواية والكومبيوتر ، ومن أراد أن يتبعه فعليه أن يدخل إلى هذا الملكوت ، وهذا ما فعلته صبا العارف خاصة حين سافرت فاتن طروف إلى قبرص لرؤية زوجها ، ثم إلى الأرض المحتلة لرؤية وطن كانت تحلم أن تعود إليه ، كما عاد أوديسيوس .
فؤاد هذا يتلقى الحرن و الموت بما يشبه الحياة: فالقلب كسير أثخنته الجراح ، وأثخنه الموت المكرر أمامه بآلاف الصور حتى (تكسّرت النصال على النصال) كما قال شاعرنا العربي. وفي هذا الجو المحبط لا يجد أمامه إلا صبا التي تخلصه من رائحة الفقد وتفرض عليه (خبرتها النضالية!!) وجوّها المتعب المعطر بأريج الجنس المبدع الذي جاء بديلاً حقيقياً عن كل ما مارسه كل منهما من جنس سابق :
"تهجّى الجسدان لغة جديدة ، لكأن المرحوم مازن لم يفضّ بكارة ، ولا فؤاد ضاجع فاتن ،ولا صبا فرّت من أصابع أبو كريمظفر بثدي لها مرة ، ولا فؤاد عطّر رابية لنوال الشيخ ،أو تشمم أو استمنى ،ولا صبا ألطفت إلطافاً على سيف الفرات: لذا هما الآن آهة وحواء ، وفحيح وعواء ، وزقزفة وحفيف أوراق: مرضعة جاهلة وصديق جاهل: وجع وعراك وفضول وحبور: حقائق وأخيلة مثل وحش وإنسان وزلزلة وخلودوشهقة تتفجّر ماء: الماء سيغدو مشيجاً والمشيج سيغدو علقة والعلقة ستغدو مضغة: مبروك يا عروس: مبروك يا حبيبي" / ص 155.
وقد افترض هذا اللقاء الجنسي الحار مخططاً لزواج لم يكتمل ، زواج قائم على الحب والتقارب الفكري، في مواجهة زواج نفعي بين نوال الشيخ وشهاب الوزير الذي يحاول ألا يخسر فؤاد ، لأن فؤاد مؤتمن على كنز ثمين ، مؤتمن على صبا التي تمتلك وثائق تدين شهاباً بالتهريب و التزوير والإثراء غير المشروع ..ولأن الطهارة (بالمفهوم السليماني) والدنس لا يلتقيان ،والوطنية والخيانة لا يلتقيان ، فإن فؤاد وصبا من جهة وشهاب من جهة أخرى لم يلتقوا في نهاية الرواية ، وهنا ليس المقصود باللقاء طبعاً سوى اللقاء الفكري والروحي القائم على الرؤى المشتركة ، ذلك اللقاء الذي يمثله كل من فؤاد وصبا ، لأنهما كانا معاً في النهاية كلاً متجدداً لا يمل من مواجهة المحور الآخر: السياسي والاجتماعي والسياسي النفعي الذي بدا مستعداً لسرقة الماء والوثائق ، ولسرقة الكحل من العيون .
من هنا نرى أن المواجهة دائمة على مساحة الرواية بين الموت والحياة ، بين الطهارة ،والدنسوعندها يبدو الجنس المخرج الوحيد للانتصار، وقد بدا لنا أن (انتصارات)فؤاد وصبا كثيرة في هذا المجال، إذ يبدو كلاً منهما ذا خبرة مكّنته من أن يصنع لقاء جنسيياً لاهباً .
والذي يلاحظ أن معارك الحب التي تجري على مساحة الرواية تنتهي بانتصار الطرفين ، وهذه ميزة معارك الحب ، وهنا نستخدم كلمة المعارك لأن ساحة الجنس لدى نبيل سليمان تبدو مثل ساحة الحرب ،تضيئها فلسفات الشخصيات ورؤاها للمشروع الجنسي، فنوال الشيخ تبدو نموذجاً غير مألوف في الرواية العربية، إذ تبدو في لقائها الجنسي مع فؤاد غير مكترثة بالشريك ـ على خلاف ما يبدو قبل هذا اللقاء ـ فالشريك عندها واحد من مجموعة ، وهي المضحية الملتذةالتي تقسم جسدها بين الناس بالقسطاس،ة وإذا كان هذا التقسيم يبدو متباعداً زمنياً، فإنه في السياق اللغوي يبدو متجاوراً تجاوراً حاراً .. وللمرء أن يتساءل عن عظمة هذه (التضحية!!) التي يتحدث عنها الروائي حين تقسم تلك الفلسطينية جسدها، كما يقسم المسيح أشياءه بين الناس.. وللمرء أن يتساءل أيضاً عن هذا الدال الذي لم يجد نبيل سليمان أفضل منه لإبلاغ المدلول !!
" فؤاد يوشك أن يقع في أمداء البطن كأنه السرة الضائعة، فاتن تأمره أن يهوي إلى القرار، فؤاد يتمطق: هذه قسمة ضيزى: فاتن تفح: أنا أقسم لك ولغسان وهبة، وأنيس أسعد وغيره: انزل، السواد يقدح شرراً" ص91.
والسواد لون حاضر دائماً: حاضر في أسفل بطن فاتن طروف، وفي قلوب الناس الذين باعوا الوطن على مذبح الثراء السريع، وعلى مذبح السلام الذي يحاول الأعداء أن يفرضوه،وهو حاضر أيضاً في شكل الموت الذي يتحول إلى نشيد يواجه الراوي:
"لقد تسلل البلى إلى أطرافي
وسكنت المنيّة حجرة نومي
وحيثما قلبت وجهي أجد الموت" ص114.
وحتى يرسخ الكاتب الإحساس بظلمة الموت وبشاعته يقدم لنا الفصل اللاحق بعنوان (حياة )،ببراعة تجسد عظمة الإحساس بالحياة في حضور هذا التضاد الأزلي.
* هذه الرواية المحشودة بالجنس .. بالحياة في مواجهة الموت ، محشودة أيضاً برموز الحياة الفاعلة فيها:
زمناً ومكاناً وشخصيات ، وإذا كان الروائي يريد أن يرسخ رؤيته للتجديد والتجدد حتى من خلال الفضاء النصي ، وعلامات الترقيم بشكل خاص ، فإنه يرسخها أيضاً من خلال براعته في تقديم الشخصيات التي يحشدها في المستويات كافة : فاعلة ومساندة ومعيقة. لذلك نجد أنفسنا أمام عدد كبير من الشخصيات الحاضرة من الحاضر أو من التاريخ أو من بطون الكتب ، وواضح أن فؤاد وصبا من جهة ، وشهاب الوزير من جهة أخرى هم أكثر الشخصيات حضوراً ،إضافة إلى فاتن طروف التي تحاول أن تجد لنفسها طريقاً خاصاً.
والكاتب مشغول أساساً بتقديم فؤاد إلى القارئ ، وهو يحيط بكل ما حوله من حدثوزمن ومكان وشخصيات ليضيء هذه الشخصية داخلاً وخارجاً ، فالروائي في عدة مواضع يقدم هذه الشخصية وظلالها حتى من خلال الحياة اليومية لفؤاد التي يقدمها الروائي دون تعثر : " سأسرع إلى الحمام فإذاعة الشرق ، فالبراد ،فجريدة الحياة ، فدفتر المذكرات المغلق دوماً مثل النافذة : ثم أسرع إلى الهافانا أو كافيتريا الشام أو مكتبة عبد الفتاح أو وزارة الثقافة أو الهاتف " ـ ص 28 ـ .
وفي الحقيقة فإن طريقة التقديم هذه تذكر على نحو ما بكل من بودلير وبشار بن برد ، اللذين اعتمدا كثيراً على تراسل الحواس ، وكأن الفعل ( سأسرع ) قادر على اجتراح المعجزات ، فهو حين يسرع إلى الحمّام يفترض اللمس وحين يسرع إلى إذاعة الشرق يفترض السمع وإلى جريدة الحياة يفترض الرؤية … وهو بهذه الرشاقة يعرفنا جانباً كبيراً من اهتمامات الشخصية التي يبنيها كذلك من خلال كلام الآخرين عنها .. إذ يبدو فؤاد من خلال صبا على النحو التالي :
" أنا كنت مغمضة العينين أم أنت كنت الماكر ؟ أين كانت الشيبة المبكرة والجلح المبكر ؟هذه الشعرات النابقة من فتحة القميص : اللسان الذرب : الخطى الواسعة : الأصابع السمينة الصغيرة: الجد المفاجئ والمزاح المفاجئ والخوف و الجرأة و التهذيب والسفاهة ". من هنا يبدو فؤاد ذا صفات شهريارية تجتمع النساء حوله تباعاً وقد تجتمع لديه امرأتان في وقت واحد ( كما حدث مع صبا وفاتن ) ، ويعزز حضوره القوي لدى الشخصيات هذا الإحساس به من قبل نساء مجتمع الرواية .
وتبدو صبا كاشفة للشخصيات الأخرى أيضاً ، فشهاب الوزير الذي لم يكن يعرف فؤاد منه إلا كونه بلا أسلوب محدد ، يبرز عارياً تماماً أمام وثائق صبا التي تبين مدى تورطه في الممنوع ..لهذا فالروائي يفرد فصلاً كاملاً بعنوان (خطر ) : ص ص 157 ـ 162 ، تبسط فيه صبا شخصية (صديقه) الذي لايعرفه : فهو متنفذ، يفك عن حبل المشنقة ، تاجر يتاجر بكل شيء دون أن يخشى العواقب ، فهو يدخل إلى البلد باخرة رز فاسدة ، ويشارك في محطة وقود يهرب مخصصاتها إلى لبنان، وهو يصدّر طناً من البصل بشكل غير مشروع ، وهو بعد هذا كله يرسل في نهاية الرواية من يقلب مكتب صبا رأساً على عقب ويأخذ ما فيه من وثائق وأوراق .
لقد قدمت صبا بوضوح كبير شخصية شهاب الذي لم يكن يعني لدى فؤاد أكثر من رجل غامض لا يستطيع المرء القبض على ملامحه فهو كالزمن الذي نعيشه بلا ملامح :
" رجل بلا أسلوب محدد : رجل جديد في كل لحظة " ص 77.
إنه رجل التسعينات كما يقول فؤاد ، وفاتن هي امرأة التسعينات التي تنعي ذلك الشيء الذي طالما عشنا له وأسميناه حباً وشغفاً وولهاً وهياماً ،لترسخ علاقة بديلة ما نزال نعتقد أنها غير صالحة للقياس عليها والاقتداء بها ، هي امرأة التسعينات التي تقدمها الرواية ببهائها وجبروتها وجديتها وشوقها المستمر للماضي / فلسطين فالزمن لديها مرتبط بالمكان ، والماضي يحمل في ذهنها صورة وطن عادت إليه بعد اتفاقيات الحم الذاتي لتجده مليئاً بالعساكر والحراس والمستوطنات .
· تقدّم فاتن طروف المكان بحميمية لافتة للنظر، إذ يبدو عشق المكان صفة من صفاتها وجزءاً مكمّلاً لشخصيتها،ها هي ذي تحدثنا عن فلسطين في رحلة الذهاب ولاإياب:
"ويمان يسأل عن فلسطين، ورائحة فلسطين تشيل قلب فاتن من على الأرض وتشبحه في الفضاء الغامض، وفاتن مثل يمان تتقرى السيارات وعربات الخضرة والكوفيات وبنطلونات الجينز والحواجز الإسرائيلية والحواجز الفلسطينية والمستوطنة الداخلة في هذه الحارة، والحارة المتربة الوسخة …..إلخ"
ولا تتخلى فاتن طروف عن عشقها للمكان على مدى الرواية فهي في أي مكان تقيم فيه أو ترحل إليه ، سواء أكان مفتوحاً أم مغلقاً ، محدوداً أو ممتداً ،تقدّم هذا المكان بجزئياته ومؤثِّثاته، لذلك يقدّم لنا الكاتب ،بأسلوب استباقي ،نزهة تقوم بها مع فؤاد ،مع المحافظة على رائحة المكان / دمشق التي تعني لها الأصالة والمعاصرة :
"سوف تتدافر فاتن بشهوتها وتنتظر دعوة فؤاد إلى مطعم يلطو خلف الجامع الأموي : الكراسي الخفيضة والطاولة المستديرة ترخي الأوصال المشدودة وتغسل الرهق :لغط السواح يسري مع الغناء الشجي في الفضاء الدمشقي المرقش والعابق " ص 37.
ولعل هندسة المكان على أساس زمني ، لتقسيم شخصية فاتن طروف أنجح ما تكون في الصفحات (64،65،66) في خلال رحلتها البحرية إلى قبرص ، إذ ترقب البحر وتغزوها الذكرى ، وحين يُطلب إليها أن تدخل إلى القمرة تفجّر هذه الكلمة دلالات زمانية ومكانية متنوعة في داخلها :
· فالقمرة غرفة تائهة في الدقي ،كما تاهت القاهرة من فاتن (…) روحة بلا رجعة .
· والقمرة غرفة صغيرة في بيت صغير في الفاكهاني .
· والقمرة بيت صغير أيضاً ، مرتب ونظيف ، خلاف مخيم اليرموك كله .
· والقمرة فضاء يتقاذف فاتن :يضرب الأزمنة والأمكنة ببعضها .
· والقمرة شقة صغيرة في هذا المكان ،يعلو بفاتن ويهوي : البحر يتقيأ فاتن.
إنها فضاء لا محدود في زمن لا تحده إلا رحلة شقاء فاتن المستمرة من غزة إلى بيروت إلى القاهرة إلى دمشق إلى ( فلسطين الجديدة ) ثم إلى خارجها .. إنها أمواج الماضي التي تلطم ذاكرة فاتن بشراسة، وتضيء شخصيتها بنجاح كبير يتجلى في تلخيص محطات حياتها المتدفقة كتدفق موج البحر:
" كيف دفعت الباخرة فاتن بغلظة إذن، وجعلتها تكتم شهقتها وتكبّ على:أمواج تلاطم الباخرة بشراسة:طفلة تنشب من سريرها الخشبي الصغير الهزاز وتغافل أمها وتركض إلى الشاطئ :تقف الطفلة وتلتفت إلى غزة التي تمنى إسحاق رابين أن يبتلعها البحر (…) تتكسر فاتن أو تكون غرقت أو أوشكت ، تعابث ذاكرة كليلة وأخيلة تنشر الخوف فحسب : عصاة الأب الأعمى: خوذة العسكري الإسرائيلي :قبة جامعة القاهرة : المعدية:قناة السويس: مركب الصيد :سمكة تُبلعط: مظاهرة: نتيجة امتحان ..أنفاس أنيس أسعد " ص 64.
إن تجاور هذه الأمكنة والأزمنة / الذكريات يفتح الباب واسعاً أمام التفاصيل التي يبتدعها خيال المتلقي فيشترك اشتراكاً مثيراً في بناء الرواية، ويمكن أن نجد مثل هذا أيضاً في شخصية صبا التي تستسلم لذكرياتها ،كما يمكن أن نجده عند فاتن، مما يجعل الماضي أساً من أسس بناء الشخصيات:
"صبا تحتضن وحدتها في البيت الذي يشبه مكتباً موحشاً في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: امرأة سلئبة على حل شعرها: العشيرة التي صارت حارة قديمة في الرقة تشق حناجر أب وأم وشقيقين: تزوجي يا صبا (…) خذي واحداً من إخوتك إلى بيتك يؤنسك ويقطع ألسنة الناس: صبا تفتح عينيها، الملفات متكومة في المكتب الموحش" ص104.
ويلاحظ في "مجاز العشق "أيضاً اعتماد الروائي على الحدث في بناء الشخصية، وفغعلية المكان في ذلك ووصف الشخصية من وجهة نظر الآخر. وها هي ذي صبا العارف "تتلامح في السرير العريض مسجاة: قطرة ماء مطروحة ونائمة: خصلة غاوية تتراجع عن الجبين الوضاء، الشامة التي بقدر حبة العدس تتوسط الحاجبين: الوجنتان الدقيقتان تسترخيان مثل الذقن الدقيقة والأنف الدقيق" ص99.
وتسعى هذه الرواية إلى تظهيرالأيديولوجيات السائدة اجتماعياً بأسلوب لا تنقصه الجرأة ،ولا يعوزه الذكاء ، فالرمز الشفيف تنسرب من خلاله دلالات متعددة ، فالدكتور ناجي " أشهَر من يرتق عشاء البكارة : شغله ذهب هذه الأيام" والأستاذ الجامعي يعطي درسه بما يعادل دولاراً أو علبة سجائر.. والأسئلة التي تتوالد في النفوس الهلع الإنساني الذي يدل على شفافية الروائي، وروعة التقاطه للجزئي الدال:
"كم يهيل معمل إسمنت طرطوس كل سنة على كروم الزيتون المحيطة به، وعلى صدر حيدر حيدر، وقبر سعدالله ونوس" ص181.
لذلك يغدو الوضع الثقافي مؤرقاً مستمراً للروائي، فثمة سهام موجهة إلى الوضع الثقافي العربي عامة:
" بودي أن أعلن عن فرحتي بالعقد الذي وقعته أمس مع دار الألفية : طبعة جديدة من روايتي الأولى (…) ألف نسخة لربع مليار عربي " ص 53.
وثمة مواجهة أيضاً مع الوضع الفكري السائد ، الذي يجعل فيه نبيل سليمان التحرر الجنسي أحد أشكال التحرر ، ويرفض التبعية للقيم الاجتماعية و السياسية السائدة ، ولا ينسى الروائي أن يخوض المواجهة السياسية مع العدو الصهيوني ، ومع الأنظمة العربية التي سقطت في فخ التطبيع ، ومع الإسرائيلين الذين لايهاودهم أيضا ،فهو يكشف تقسيم تركة المقاومة الفلسطينية التي يراد تصفيتها من خلال الحديث التالي عن فاتن طروف:
"هي أيضا تتلقف حصتها من الإرث العظيم : باع أبو يمان الجبهة أو الحزب لياسر عرفات ، وفرق الحصص : عشرون ألف دولار حصة فاتن طروف ، و عشرون ألف دولار حصة يمان أنيس أسعد ، ولولا شكوك أنيس بما بين فاتن وغسان لصارت العشرون ألفا أربعين . فليقم إذن الصالون الفلسطيني في مخيم اليرموك للعطور والمكياج والاكسسوارات والساعات ، وعما قليل : بوتيك فاتن طروف في ساحة عرنوس"ص41.
والسياسة لدى الروائي بنت حرام لأنها جمعت العرب و الاسرائيليين ولم تستطع جمع العرب والعرب _ص65_ وهو يلاحق ندوة عمان التي يجلس فيها الاسرائيلييون على الرحب والسعة ، ويكشف رأي الشارع الأردني حيث يتحدث عن مكتبة "تصدرت واجهتها الزجاجية لوحة مخططة بعناية بالعبرية والعربية : نعتذر عن استقبال الاسرائيليين " وحين ينتزع رجال الأمن تلك اللوحة يقول صاحب المكتبة : "ياعمي أنا مع السلام ، بس وادي عربة وأوسلو مثل كامب ديفيد: لا سلام ولا زفت "_ص 190_.
وتوضح صبا العارف خلال وجودها في عمان الفرق بين الاسرائيلي واليهودي ،فالمشكلة هي في "اليهودي عندما يصير اسرائيلياً "ص 193.
وهو على الرغم من الصورة القاتمة لا يفقد الأمل ، فالشخصيات التي ترفض هذا الوضع حاضرة دائماً / صبا العارف مثلاً / وكذلك الانتفاضة الفلسطينية التي تلح التي تظهر في صورة فريدة ، يفيد الكاتب ببراعة من التيلفزيون لعرض بعض فعالياتها الدالة ، التي ترصد النضال الوطني الفلسطيني ومعوقاته ، والقمع الإسرائيلي بتجلياته كافة، دون أن ينسى تعرية صدر صبا خلال تلك المراقبة:
"جمهرة من الأطفال والشباب :علم إسرائيلي وعلم أميركي يتعانقان ويحترقان : نعش ملفوف بالعلم الفلسطيني : جمهرة من النساء المولولات : عسكري إسرائيلي يشحط رجلاً على الأرض :عسكري آخر يلبط قفا شاب يحمل كاميرا تيلفزيونية "ص177_ وكأن صورة المقاومة الفلسطينيية والقمع الاسرائلي لا تكتملان إلا بالسياق السردي التالي :
"وحين يصحوان على عري صدريهما ستباغتهما الشاشة بفلسطينيٍ بمثل سن فؤاد يندس في كيس خيش "_ص178_.
* رؤى إنسانية متنوعة مثيرة للجدل ترقّش الورق الممتد أمام القارئ ، كما يرقّش الثلج نافذة الغرفة التي يقيم فيها فؤاد ، تستند إلى لغة شفيفة تقيم بين الكلمات تجاورات مفاجئة بين ما هو سمعي وبصري ،و يبدو الروائي مغرماً بالضديات بما يخدم دلالتها المزدوجة ، وكثيراً ما يفيد من النسق اللغوي المحفوظ ، ليقيم نسقاً لغوياً جديداً يحاوره ويتجاوزه ، بما يخدم الدلالة التي تؤكد في هذا النسق إرادة فرض السلام على العرب "لا إكراه في السلام .. قد تبين الرشد من الغي " ص196.والروائي خلال ذلك يحقق إيقاعاً روائياً يعمل على ترسيخه في ذهن المتلقي .
إن نبيل سليمان يقدم في هذه الرواية نسقاً روائياً متميزاً ، لأنه يخاف من الرواية ، والتجديد يؤرقه كما يؤرق فؤاد الذي يقول: " أنا خائف من الرواية يا صبا ..خوفي اليوم أكبر منه حين كتبت أول رواية " ص 95.
فإلى مزيد من الخوف أيها الروائي الجميل .. إلى مزيد من الخوف المبدع الذي يلوّن ما تكتبه بإيقاعات مبتكرة ، ولكن رفقاً بالقوارير .
د.يوسف حطيني



* مجاز العشق : نبيل سليمان ،دار الحوار ، اللاذقية ،ط1 ،1998

دراسة: قراءة في رواية بدو

كنفاني في رواية "بدّو"
فلسطين موجودة إذاً أنا موجود!!

د. يوسف حطيني

"إحساس امتلأ به صدري أنني أقترب شيئاً فشيئاً مع انطواءات الطريق تحت عجلات السيارة الخضراء الداكنة.. من فلسطين.. من القدس.. إنها موجودة إذن.. أنا موجود إذن.. "ص40.
عبر هذا السياق اللغوي، وعبر تضافر سطور رواية "بدّو" لعدنان كنفاني يربط البطل وجوده بوجود فلسطين، ويستمد من إحداثيات المكان المنطوي في ذاكرة الزمان قوة جديدة تجعله يقبض على جمر الحاضر، يقول الراوي:
"كأنني وأنا أعود إلى تلك الأيام، ألمس تفاصيل المكان الذي أمسَكَ على بوّابته طفولتي، وأعطاني أول خيط أنسجُ منه مرحلة جديدة من العمر تتهادى، بطيئة، غامضة، لكنّها تنقلني شئت أم أبيت إلى مرحلة أخرى.." ص7.
لذلك يرسم لنا عدنان من ذاكرته الثرة الطريق إلى "بدّو"، وهي ـ كما يشير الغلاف الأخيرـ قرية فلسطينية تقع شمال غرب مدينة القدس، فيستحضر المكان بتفاصيله الحميمية، من الشارع العريض إلى التليّن القاحلين المقابلين،إلى الأفق المفرود إلى أقصاه، ص12 إلى القرية ذاتها التي تنكشف أماهم في لحظة من لحظات العمر التي لا تنسى:
"وفي اللحظة التالية نطلّ على بدّو..!
تستقبلنا بيوتها المتناثرة هنا وهناك، متباعدة عن بعضها منتشرة بين مرتفعين وسفح واحد ممتّد حتى حدود الأكمة الأخيرة...." ص13.
وفي واحد من أجمل تداعيات المكان الذي ينفتح على الزمان يسأل الراوي صديقه سليمان عن الأفق الممدود أمامه وهما في رام الله، فيكون جوابه مدعاة لانطلاق الراوي، وعدنان كنفاني معاً، نحو الماضي، نحو الفردوس المفقود الذي تمثله يافا، وتغدو هذه الكلمة السحرية "يافا" خنجراً يذبح ولكنه لا يقتل، بل يستجلب الذكريات الأليمة والجميلة في آن :
"سألته مشيراً إلى آخر الأفق الممدود:
- هناك.. ماذا.. هناك..؟
أجابني، وعيناه تلاحقان خطوات صبية تتعلق ذراع شاب..
- هناك.. آه هناك. البحر.. يافا..
كأن وجهي صار ورقة تين جافة.. انتفض عرق غليظ في جبهتي، ورحت “كما كانت تفعل أمي” أقلص حدقات عيني، أحاول تجزئة المنظر المفرود أمامي على كامل مساحة الرؤيا لأتبينه قطعة قطعة ثم أبنيها “فيما بعد” لأشكل منها صورة ما لشيء في الذاكرة.."ص29
وعبر هذه الكلمة المفتاحية يقاد الراوي إلى استذكار طويل، يقوم على ثنائية ضدية معروفة في الأدب الفلسطيني عموماً، وهي المقارنة هنا في الآن/ وهناك في الآنذاك. وبينهما يافا وبيارة الحمّضيات وسمير بيدس وصبحة ومعمل بلاط أبو شندي، والبحر من جهة، وبدو ورام الله وشجرة هدى وشجرة إنعام من جهة أخرى، مما ينتج سياقاً سردياً، ربما كان الأعذب في الرواية برمتها:
"رأيت بدّو على نهاية الأفق تكاد تنطوي هي الأخرى تحت ضربات المحرّك الثقيلة، شجرة هدى، سوق اسكندر عوض، شجرة إنعام، معمل بلاط أبو شندي. جسد “سمير بيدس” العاري.. صبحة.. صور كثيرة مختلطة تداخلت بسباق مجنون، وأغلقت أمام مخيلتي الصغيرة سبل الرؤيا..ص46.
غير أن ما يؤخذ على الروائي هنا أنه يستطرد كثيراً حتى يكاد القارئ ينسى أن الراوي وصديقه في رام الله، لأن أوصاف هذه المدينة لا تكاد تبين على الرغم من أنهما تجولا فيها، وعلى الرغم من أن المكان هو لعبة الرواية الأولى، بدءاً من العنوان، وليس انتهاءً بالوصف الحميمي لقرية بدو التي تكون انتماءً لصديق الراوي سليمان، ثم تغدو فيما بعد انتماءً له:
"لأتمنى من كل قلبي لو أنني أخ لسليمان، أشاطره البيت والأرض والأسرة، وأقول بفخر، بل بأكثر من فخر، أقول بانتماء:
أنا من بدّو..
بدّو التي غرزت بكل ما فيها في مسام جلدي فتنفسّتها، خلقتها في عروقي فسارت مع دمي تمسّكت بها بكل قوتي في خيالي ويقظتي، فوجدتها على الدوام مترفة وبرّاقة..
بدّو هي أنا.. تصوّرتها في ذلك العمر أنها أنا، بل هي أنا.. " ص16ـ17.
حتى إن كاثي الفتاة الإنكليزية لا تحتل مساحة من وجود البطل، إلا عبر المكان، وعلى الرغم من أن علاقته بها هي علاقة مرتبكة فإنها لا تعيش ولا تنتعش في خياله إلى عبر ربط لقائها المتخيل بالقدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة:
"حشوت رأسي بآلاف الخطوات التي سأحفرها مع كاثي عبر طرقات القدس وحواريها، يدها في يدي.. أطوف معها على معالم أبواب القدس المنيعة العملاقة.. نزور المسجد الأقصى.. نجلس قليلاً في ظل الجدار الذي يحمل الساعة الشمسية العجيبة. اشتري لها صليباً مصّدفاً من دكان “أبو داوود الصّداف”.
ندخل كنيسة القيامة عبر بوابتها الضخمة المدعّمة بالأعمدة الخشبية الجبارة.. أضواء الشموع الخافتة في الداخل ستفرض حالةً من الخشوع.."ص52.
وتبدو الشجرة رمزاً من رموز الأرض والبقاء، وتثري المكان، وتمنحه دلالة وارفة، لأنها تعني فيما تعنيه تاريخ الأسرة الفلسطينية الشخصي والوطني:
"- هذه شجرة هدى، زرعها أبي يوم ولدت أختي هدى.. في هذا المكان قتلت أفعى قبل ثلاث سنوات.. وهذه الشجرة زرعتها وعمري سبع سنوات.. وهذه.. وهذه.
يدور حول الأشجار بفرح، كأنه طفل وجد لعبته المفقودة، يضرب كتل التراب بمقدمة نعله، ثم يستلقي بظل سور الحجارة المدببة:
- هنا جلست [إنعام] إلى جانبي..ص20.
أما على صعيد التعامل مع الزمن الروائي فإن عدنان يبدو مولعاً بالقفز الزمني والتلخيص ولعه بالاسترجاعات التي تجعل الماضي حاضراً، فهو يلجأ إلى تلخيص الفترة بين عامي 56 و67، ثم بين 76 و87 وهو تاريخ اشتعال الانتفاضة الأولى. وكأن الروائي يريد من خلال هذه التقنيات الزمنية أن ينشط خيال القارئ، إذ يطلب منه ملء الفراغات، ولكن خطورة الاعتماد كثيراً على هذه التقنية يتجلى في كونها تشعر القارئ العادي بخلل في الرواية، ومن السياقات التي تجسد ولعه بالقفز والتلخيص السياقان التاليان:
"تسعة عشرة سنة.. مضت مثل طرفة عين، تمّر أمامي اللحظة مرور السهم.! ص107.
"- أنت تعرف ما جرى في حرب 1967.. جيوش وبيانات واستعدادات رأيناها تجري أمام أعيننا، في الشوارع، وعلى الشاشات الصغيرة والكبيرة.. ثم بعد ساعات كنّا خارج حدود فلسطين كلّها هذه المرّة، صمتت الجيوش، وسكتت الإذاعات، واعتلت الوجوه صفرة صبغها الحدث المفاجئ..
أيّة مفاجأة ونحن دائماً تحت حراب الاحتلالات، وقمع الحكومات.. يومها يا صديقي احترق البيت وسيارة النقل، وضاعت إنعام، وضاعت بدّو..ص121_122.
وكما في كل نثر حكائي تقوم الرواية على صراع أساسي، ثم تنطلق بين مجموعة من الصراعات، واللافت في هذه الرواية أن صراعها الأساسي لا يكون بين الشخصيات الفلسطينية والمحتل، بل بين هذه الشخصيات لتحديد كيفية مواجهته، وهو صراع إيجابي فكري محض، ينتصر في نهاية الأمر لصالح الكفاح. وهنا تبرز شخصية سليمان، إلى جانب الشخصيات المناضلة التي تدعم وجهة نظره في الصراع المشار إليه، إذ يظهر شخصية تؤمن بالفعل الثوري والإنساني، فهو يرى مثلاً أن ما يقوم به يونس الذي يثأر لزوجته عبر قتل القتلة أكثر جدوى من الاجتماعات والبيانات. لقد كان يونس يحفر بسكينه الحادة خطاً على قبر زوجته كلما قتل صهيونياً، لذلك يقول سليمان:
"- خط واحد من سكين يونس على قبر زوجته، أجدى ألف مرة من اجتماعات، وبيانات ليس فيها إلا كلام وكلام.. 103
غير أن هذا السياق اللغوي لا يكشف إلا جانباً من شخصية سليمان لأنه مصر على البناء إصراره على التحرير، لذلك يغدو أحياناً رجلاً قاسياً حتى على أصدقائه، ويبدو في أحيان أخرى طفلاً كبيراً تؤرقه أحلام لها دلالاتها الممتدة والمتعددة:
"سألني وكأنه يخرج من تحت سقف ثقيل.؟
- هل تعرف كيف تزرع شجرة..؟" ص20.
وبين الطفولة الهاربة والرجولة القاسية يترجح سليمان، ولكنه لا يفقد الرؤية الواضحة، لذلك يرفض أن يسمي أياً من شجراته باسم كاثي الإنكليزية:
"قال وهو ينفض التراب من يديه:
- نسمي هذه الشجرة إنعام.!
قلت بعفوية:
- وهذه "كاثي"..!
أجاب وهو يرمقني بنظرة جافة:
- هدى.. إنعام.. كاثي... أعتقد أنها نغمة شاذة.." ص24.
وتبقى كاثي في هذه الرواية مجرد شخصية طيفية، لا تحيا إلا في خيال الراوي وصديقه، فهي عند الراوي الفتاة المشتهاة، وعند سليمان الفتاة البغيضة، وربما كان من المفيد أن يفصل لنا في وجهة نظر سليمان بكاثي أو في تعلق الراوي بها، أو يفرد فصلاً تتحدث فيه كاثي عن رؤيتها لما حولها،حتى لا تبقى هذه الشخصية المهمة من الدرجة الثانية.
كما أن عدنان كنفاني لا يفصل لنا في الشخصية المعادية التي تبدو عنده غائبة الملامح تقريباً، إذ تظهر فقط من خلال أفعالها، ورؤية الراوي وأصدقائه لهذه الأفعال، ولعلنا نشير هنا إلى أن هذا الأمر، أقصد غياب ملامح صورة العدو لا يؤخذ كنفاني وحده، بل على معظم الأدبيات العربية، وربما يعود هذا إلى صعوبة الدخول إلى سيكولوجية الشخصية المعادية.
ويقدم لنا عدنان في رواية "بدّو" مجموعة من الشخصيات الجاذبة، ويبدو النضال الوطني صفة جاذبة للجميع، حتى إن إنعام حبيبة سليمان تبدو في الرواية شيئاً يشبه الوطن، في حين يظهر يونس وسركيس حكايتين منفصلتين متصلتين، لأن يونس قام بفعل ثوري، وكذلك سركيس الذي رفض الحدود والقيود، ولم يعترف بالأسلاك التي وضعها الأعداء على حدود الوطن، لذلك يركض وهو يضحك نحو الحاجز الذي وضعه الأعداء، لا ليطلق الرصاص، أو يفجر قنبلة، بل ليقول من خلال موته أنه يرفض أن يضع الأعداء حدود الوطن وتفاصيله، لذلك يكون موته مدوياً:
"ركض بفرح مجنون لحظة.. انفرج الباب الصغير.. ركض إلى الموت المحتوم.! قال.. أحسست أنه قال شيئاً، بينما أطبقت كفّه على أول حفنة تراب داكنة تكشّفت أمامه..
لماذا يموت سركيس.؟ ص75_76.
غير أن هناك بعض الإرباكات التي تعاني منها الشخصيات خاصة في الفصل السابع المسمى عبد الرحيم.م فهي خارج شخصيات تبرز خارج السياق الحدثي التعاقبي: (شخصيتا عبد الرحيم .م وزوجته السيدة زهيرة. ص93،94، 95.)
كما يعاني الحدث، في هذا الفصل، وطأة التفاصيل اليومية المتتابعة التي لا تفصل بينها بأنساق سردية أخرى مما يجعل السرد في بعض الأحيان سلسلة متصلة من التفاصيل المربكة.
وثمة ملاحظة تبدو جلية لكل من يقرأ عدنان كنفاني، وهي أن لغته تختزن طاقة شعرية كبيرة، تدخل السياق الحكائي، وتعمق الإحساس بحيوات الشخصيات ورؤاهم، وتضفي على المكان الأليف ألفة، وتزيد المكان المعادي وحشة، ولعلنا نتذكر السياقات الكثيرة التي مرت معنا في الدراسة، غير أننا يمكن أن نلاحظ في أحيان قليلة لغة ذهنية تقيد دلالة الجملة، وتجعلها بلا أجنحة، ومن ذلك قوله:
"المعرفة المطلقة بالشيء ضرب من المستحيل وتبقى نسبية، ترتبط بالرغبة في نوع المعرفة وشكلها ومدى حاجة وحدود وإمكانات تحقيق هذه الرغبة.." ص28.
ولعل الفصلين السابع والثامن أن يكونا أضعف الفصول من حيث اللغة، إذ يكثر فيها الإخبار على حساب الجمال، وهذا مجرد مثال:
"تكررت اللقاءات بيننا.. في رام الله وفي البيرة أو في أحياء القدس المختلفة أو في القرى القريبة منها.. وكانت على مستوى كبير من السريّة والتكتّم الشديد، بدأت أحصل وأقرأ كتب ونشرات كانت توزع علينا بحرص شديد، فقد كانت ممنوعة من التداول.. رغم أنها تتحدث عن مبادئ مستقّرة في ضمير الناس. الوحدة والمساواة والحريّة الاشتراكية.." ص103
غير أن ما يرفع من شأن لغة هذه الرواية هو الإيقاع الذي يجهد عدنان نفسه في ترسيخه، وفي هذا المجال يصر على ترسيخ إيقاع بعض التراكيب التي يعد "العِرق الغليظ النافر" في جبهة سليمان أبرزها، إذ يذكره في الصفحات:15 و19 و22 و29 و46 و115، و116و121 و124 ويبدو هذا العرق مثل البارومتر الذي يقيس الحالة الانفعالية لسليمان والراوي والروائي، فهو يتصلب حين تتعرض الأرض لخطر البيت، وهو الذي يدل الراوي على سليمان بعد تسعة عشر عاماًمن الفراق:
أعرف هذا العرق النافر في جبهته، وأعرف هذه النظرة المتحفّزة التي ما فارقت خيالي منذ زمن سحيق.. تسعة عشرة سنة..
- سليمان..
- الشامي.." ص115.
وحين يغضب سليمان أو يتوتر يكون العرق النافر جزءاً من الحالة:
"كان العرق النافر في جبهته أشدّ توهّجاً، قال وكأنه يعود بي إلى زمننا السحيق:
- ماذا فعلت لنا بياناتكم وتنظيراتكم، مرّة تقولون ماركسية، ومائة تنظيم، كلّ يفسرّها على هواه، ومرّة تقولون سياسة عالمية ومجلس أمن وهيئة أمم، ومرة أخرى ضغوط دولية، ومرّات خلل في موازين القوى.. " ص121.
ويمضي الكاتب وراء هذا الإيقاع التركيبي شوطاً أبعد، ليجسد حالة التساوق بين سليمان والراوي، فحين يسأل الراوي سليمان عن الأفق المفرود أمامه، يخبره أنه يرى يافا من بعيد، وهنا ينشأ سرد في غاية الروعة والإدهاش، لأنه سرد يشير، إضافة إلى وظيفته الحكائية، إلى الاندماج بين غريبين يعيشان غربتيهما على أرض الوطن المحاصر بالأسلاك: "هناك.. آه هناك. البحر.. يافا..
كأن وجهي صار ورقة تين جافة.. انتفض عرق غليظ في جبهتي.." ص29.
وثمة إضافة إلى إيقاع التركيب يبرز إيقاع الفقد والخيبة وانكسار الأحلام من ضياع إنعام إلى ضياع الكرم إلى ضياع الأرض، إلى ضياع الحلم بكاثي:
"سمعنا همساً، ووشوشة محمومة.. أمسكت يد سليمان بقوة، أحسست بها ساخنة معروقة هي الأخرى .
رفعت رأسي قليلاً، رأيت بوضوح “كاثي” بين يدي “إدوار”.. فصعقت.." ص34.
وهناك إيقاع القمع البريطاني والصهيوني الذي يركز عليه الروائي من خلال ذكرياته في يافا، ومن خلال وجوده في بدّو، فهو بشير إلى قناص يهودي قتل سمير بيدس بتهمة السباحة في مياه البحر:
"في اليوم التالي مشينا مع المئات وراء جنازة “سمير بيدس” الشاب الذي قتل برصاصة في رأسه، أطلقها عيه قنّاص يهودي دون سبب وهو يسبح في مياه البحر..ص33.
باختصار تبدو لنا رواية "بدّو" واحدة من الروايات التي تبنى على المكان أساساً، وتسعى عبر لغة شعرية إلى تعميق الإحساس بفقد الوطن، بغية البحث عنه، لذلك تنجح في تحريض الذاكرة الوطنية، حتى تبقى فلسطين، مثلما هي، عصية على النسيان.
عدنان كنفاني: بدو، رواية، ، مطبعة اليازجي، دمشق، 2001.

دراسة: في تجربة عفيفة الحصني الشعرية

في تجربة عفيفة الحصني الشعرية

د.يوسف حطيني

عاشت الشاعرة العربية السورية أفراح الأمة وأتراحها، وذاقت حلاوة النصر القومي العظيم الذي تمثل في وحدة سورية ومصر، وتجرعت علقم انفصالهما، وهجّرت من الوطن الذي رضعت مبادئه، بسبب موقفها الرفض لذلك الانفصال البغيض، ولم تتسن لها العودة إليه إلى في ظل الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد فعادت تلثم الفيحاء، وتعانق ذرات هوائها (6/10):
وعدت إلى الفيحاء ألثم تربها وأرنو بطرف شاقه الحسن والطهر
أعـانق ذرات الهـواء نقية وأستاف جواً في نسيماته البحر
وقد طرحت الشاعرة عفيفة الحصني في دواوينها الستة عدداً كبيراً من الموضوعات التي يمكن أن نقسمها إلى مرحلتين، تمثل المرحلةَ الأولى دواوينها الثلاثة التي حملت عناوين "وفاء" و"شهيد التضحيات" و"ولاء" وقد صدرت أعوام 1966 و1970 و1971 على التوالي في القاهرة، وأما المرحلة الثانية فتمثلها الدواوين الثلاثة الباقية التي صدرت في دمشق أعوام 1979 و1989 و2000، وهي "عازفة القيثار" و"سراب البحر" و"وطني".
وفي الواقع أن المرحلة الأولى التي انتهت بوفاة جمال عبد الناصر كانت أقل قدرة على التعامل مع الشعر ومع التطورات السياسية، وأقل توغلاً في صميم علاقة الشاعر مع الجماهير، كما كانت أقل تنوعاً في الموضوعات من المرحلة الثانية، لأنها كانت مقيدة حينذاك بسحر شخصية عبد الناصر، وفي ذلك القيد الذهبي احتل القائد، في الغالب، مكان الجماهير، وصار النصر من صنعه، فهي تقول عن معركة بورسعيد (1/ ص34):
لما تمادى المجرمون وعربدوا وتلبـسوا بالإثم إثم الغادرين
شلت عزيمتهم بطولة ناصر فتمرغت بالترب هام الآثمين
من هنا طغت شخصية عبد الناصر على شعرها طغياناً ملفتاً، وصارت الشاعرة تهنئه بعيد الفطر وعيد الأضحى، وفي أعياد ميلاده عاماً بعد عام، وفي زواج ابنته، وميلاد حفيدته، وفي عيد الثورة، وتتمنى له الشفاء في مرضه، وتفرح في شفائه، مما جعل شعرها في تلك المرحلة سجلاً حياتياً له ولأسرته. تقول الشاعرة بمناسبة مجيء رمضان (1/18):
رمضان يا شهر الجهاد وروحه اليوم تبعث سالفَ الأعياد
هنئ جمالاً بالصيـام وقل له يا منقـذ الأديان والأمجاد
والشاعرة إذ تعود إلى التاريخ وتستذكر أبطاله الغرّ الميامين، تربط بين الماضي والحاضر، وترى أن جمال عبد الناصر هو امتداد طبيعي لخالد وصلاح الدين (1/ ص ص45_46):
سـائلوا تاريخنا يـبدِ لـكم ما جـهلتم في ثـنايا الكتب
خـالد دانـت لـه ممـلكة وعـروش شمسـها لم تغب
وصلاح الدين أردى غزوكم بثـبات وبجيـش لجـب
وجـمال هل علمتم من جما ل زعـيماً للنـضال العربي
ولا شك أن هذا الانشغال بتفاصيل حياة هذا الزعيم القومي أفرز لدى الشاعرة تكراراً لكثير من المعاني، خاصة في باب التهاني والتبريكات، إن جاز لنا التعبير، فثمة على سبيل المثال أربع قصائد كتبتها الشاعرة في أعياد ميلاده، تعبر فيها جميعاً عن فرحاً وأمنياتها التي تتكرر فيها، ولا تخرج عن تلك المعاني، تقول في مطلع إحدى قصائدها (3/ص44):
اليمن زغرد في الصباح الباكر وتبسمت روضـاته للزائر
والشعب صاح مهنئاً ومبشراً اليوم عيد جمال عبد الناصر
لقد كانت عفيفة الحصني متعلقة بذلك الزعيم القومي تعلقاً صوفياً أبعد قصيدتها عن التعمق في قضايا المجتمع العربي الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لذلك تترك الشاعرة الآلام والآمال التي يتغنى بها الآخرون لتحدثنا عن ليلة القدر التي تلتقي فيها جمالاً فتقول (2/ص 48):
أليلة قدر تشـع الضياء وتبدي محيا ملاك السماء
رأيت بعيني وقلبي جمالاً تحـف بـه هالة العظماء
رأيت العروبة في ساعديه تدك الضلال صباح مساء
غير أن هناك قصائد تعد على أصابع اليد الواحدة تنتمي إلى تلك المرحلة ولكنها تحلق خارج سرب الدواوين الثلاثة الأولى، لعل أجملها قصيدة عنوانها "الحرية"، تتحدث عن طائر أسير في لغة عذبة تنتصر لحرية الإنسان، ومطلعها (1/ص153):
ملأ النفس شجوناً وأسى طائر في سجنه ينتحبُ
أما في المرحلة الثانية، فيبدو لي أن وفاته كان لها أثر كبير على تفتح شاعريتها، وغنى موضوعاتها، إذ اكتشفت بعد ذلك أن ثمة أشياء كثيرة يمكن الحديث عنها، فبدءاً من ديوانها الرابع "عازفة القيثار" صرنا نقرأ عن الزهر والزيتون والنهر والنبع، والأم والمعلم، وصرنا نقرأ عن القضية القومية والوطنية في إطارها الإنساني، إذ نطالع رسالة من شهيد طيار إلى أمه، ونقرأ عدة قصائد عن دمشق الفيحاء. وبالتالي، فقد انتقلت الشاعرة مع وفاة عبد الناصر ذلك الانتقال الفذ من تأريخ القائد إلى تأريخ الوطن راصدة أحداثه الكبرى، فثمة قصيدة عن الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد، وثمة قصيدة عن حرب تشرين (أو حرب رمضان) التي ترصد بطولة الجماهير العربية (4/ص 137و138)
رمضان شهر النصـر والأمجاد تحلو بصومك وحدة الأعياد
أشبال قومي في رباطة جأشهم أحـيوا مـآثر خالد وزياد
صعدوا ذرى الشيخ الملبد ثلجه واستأسدوا في القصف والإيقاد
ولعلنا نذكر هنا بإكبار أن الشاعرة ذهبت إلى إحدى القواعد الصاروخية في 13/11/1973 لتلقي قصيدة على مسامع الجنود المرابطين على خط النار لتؤكد أن الشعر مصباح يضيء الطريق للجميع (5/29):
يا رايـة الأحـرار والأمجاد حي البطولة في حمى الآساد
وترنمي بالمعجزات وأبشري بالنصر ينقذ جنة الأجداد
ومع تطور المسيرة الشعرية للشاعرة أخذت الوحدة مفهوماً جديداً، وأصبحت ضرورة تاريخية أكثر من كونها إنجازاً شخصياً، فهي ترصد بشائر الوحدة بين سورية وليبيا في إطار الدور القومي الذي يمكن أن تضطلع به، تقول الشاعرة: (5/41)
يا وحدة ترعش الأعداء معلنة بشائر الفتح للأقصى وجولانا
عاد الربيع إليك اليوم مبتهجاً عاد الجمال يرد القفر بسـتانا
لقد صرنا نقرأ بكثير من الغبطة تلك القصائد التي تتحدث عن بطولة الجماهير، وتكبر المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية، حيث ويعانق يوسف العظمة الشهيدة اللبنانية سناء محيدلي التي تعانق بدورها طفل الحجارة، مما يجعل التاريخ العربي لديها سلسلة من البطولات، ففي قصيدة بعنوان "سلمت أيدي الحجارة" تصف عفيفة المعركة الدائرة بين الهمجيين الصهاينة والأطفال وترصد الصمود الأسطوري لهؤلاء فتقول: (5/ص64):
صور التعذيب شتى
صاغها باسم الحضارة
فانحنت هاماتها
تعنو لأطفال الحجارة
للتصدي والتحدي
ولمن ردّ إلى الحق اعتباره.
لقد تفتحت عينا الشاعرة على مفاتن الوطن، وكبر الوطن في نظرها، وصارت الأرض على كبرها، و شجرة الزيتون الصغيرة على صغرها تعنيان قلباً نابضاً بالعروبة، فالأرض تقول (4/65) :
جوعان
يا ولدي الأمين
والنفط في جوفي
كنوز العالمين.
أما الزيتونة التي غرستها الشاعرة بيديها، فغدو ذات دلالة قريبة تحيل على الشخصي، ودلالة عامة تحيل على الوطني والإنساني. تقول الشاعرة (4/ص33):
غرستها في روضتي
رويتها بدمعتي
فأزهرت أفنانها
في مقلتي
وأينعت أثمارها
في مهجتي
وزيتها أنار لي
مسيرتي
يا ليت لي مليون عين
أحمي بها زيتونتي
كما تجسد تطور موضوعها الشعري حين انفتح على الآفاق الإنسانية الرحبة، وغدت تحصد انتصارها في كل فعل إنساني تقوم به، تقول في واحدة من أروع قصائدها (4/127):
إذا ما اسطـعت إنقاذاً لقلب كاد ينفجر
وإن واسيـت مكلوماً تعيساً بات ينصهر
وإن أرجعت عصفوراً لعـش هده بشر
فعيشي في الدنى روض لـه زهـر له ثمر
وتلتفت الشاعرة إلى إفريقية السوداء، لتهنئها ببزوغ فجر الحرية للزنوج، وتنجح في قلب دلالات الألوان، إذ يغدو النور رمزاً لهم فيما يكون الظلام رمزاً للذين اغتصبوا منهم إنسانيتهم (6/ص93):
هزم النور الظلامْ
وصحا فجر بإفريقيا
يصون الكبرياءْ
أدرك العالم أن السود
أحياء بشرْ
ليس للبيض عليهم
فضل زهر أو ثمرْ
* * * *
من حيث البناء الفني للقصيدة تقدم عفيفة الحصني قصيدة موزونة، عملت على تطويرها تدريجياً، إذ انتقلت من سيطرة الفكرة إلى سيطرة الشعر والغنائية، ومن سيطرة البحر الشعري إلى قصيدة التفعيلة، وإذا كان ثمة غلبة ساحقة للقصيدة ذات الوزن التقليدي، فإن ثمة تطوراً في التعامل مع عناصر هذه الموسيقى. وقد اغتنى شعرها بالحوار من خلال قصصها ومسرحياتها الشعرية التي امتدت على مساحة دواوينها، فثمة مسرحية شعرية بعنوان فلسطين الحبيبة، وقصة تصور حادثة الإفك المشهورة في التاريخ الإسلامي، وقصص شعرية عن "عازفة القيثار" و"خديجة" وعن الشاعر التركي ناظم حكمت وزوجته،كانت إدارة الحوار الشعري في القصص الشعرية والمسرحيات الشعرية: حادثة الإفك.
مسرحية شعرية بعنوان فلسطين الحبيبة، ويمكن الاستشهاد هنا بقصيدة "البريئة" التي تحكي قصة عائشة وحادثة الإفك، تقول عن عائشة (1/ص129):
وليل ضرير النجم أمسـت تبثه حديثَ الهوى القدسيِّ والحبِّ والسحرِ
ضحية أفـاك تـناول عشـها بتهـمة إغـواء أشـدّ مـن الكـفر
وتبدو الصورة الشعرية تقليدية إلى حد بعيد، وخاصة في بداية مسيرتها الشعرية، فهي مستمدة من التاريخ لا من الواقع، فالشاعرة تقول في قصيدة عن بورسعيد فاضحة شراسة الدول الاستعمارية (1/ص42):
أنشبت أظفار فـهد غـاشم واستمدت سمها من عقرب
وغزت سيناء غدراً في الدجى في ضباب من دخان الريب
وتقول في قصيدة أخرى (1/ص57):
أخذت بسحر الدار لما عرفتها وحار جناني كالشريد بلا فهم
كأني لم أرغب بلـقيا جمالها ولا طال ليلي في السهاد بلا نجم
وتفيد الشاعرة في شعرها من التراث العربي والإسلامي وتحيل عليه، فثمة إحالات إلى القرآن الكريم والحديث النبوي وشعر العرب في العصور السالفة وفي العصر الحديث، فمن إشاراتها الواضحة إلى القرآن الكريم قولها بعد نكسة الانفصال عن دور جمال عبد الناصر في الوحدة (1/56ـ57):
ومضى بنا ربانها ببسـالة يعلو جبال الموج وهو مثابر
لكنما ثقب السفينة مجرم فأحاط بالركب الطليق مخاطر
وفي حديثها عن فضائل الوحدة بين سورية ومصر تفيد في الصياغة الشعرية من الحديث النبوي، فتقول (1/83):
وقد غـدونا بـأرواح وأفئدة بفضـل وحدتنا أهلاً وإخوانا
ما إن شكا العضو إلا عمنا ألم فنـحن نسـعفه شيباً وشبانا
كما نستطيع أن نقرأ في شعرها إحالات إلى الشعر فنقرأ تقاطعات جميلة مع الشابي والمعري وأبي فراس الحمداني، وتتخذ هذه التقاطعات أشكالاً مختلفة، إذ تأخذ حيناً بيتاً للشابي وتضمنه في قصيدة لها، كما يبدو ذلك في قصيدتها عن السد العالي، ودور عبد الناصر في بنائه:
وحققَ معـجزة تـزدهـي بها شـمس أمـجادنا والقـمر
تدر على الشعب خيراً عميماً وتحميه مـن نكـبات الضـرر
"إذا الشعب يوماً أراد الحـياة فلابـد أن يسـتجيـب القدر"
كما تتخذ الإحالة شكلاً آخر حين تذكرنا الشاعرة من خلال البحر والقافية بقصيدة شهيرة لشاعر من الشعراء، فهي تعارض أبا فراس الحمداني، في قصيدة "أراك عصي الدمع" إذ تقول:
أبينا انحناء للكـوارث والبـلى وقلنا لباني السد أنت لنا الذخر
وهي تعارض التنبي الذي يضيق بمصر وكافورها في داليته الشهيرة، ولكنها لا تخفي سعادتها بمصر وعبد الناصر، إذ تقول (1/ص63):
عيد سعيد وألحـان وتغـريد في طيّـه أمـل ترنو له البيد
فاسعد جمال بعيد صنت بهجته نبراسه العدل والإيمان والجود
ولعل أكثر تجاربها نجاحاً في هذا المجال قصيدتها "بين المتنبي وخولة"، إذ تنجح في استخدام أبيات المتنبي برشاقة نادرة، على الرغم من أنها تغير في بعض الأحيان بعض كلمات بيته لتلحقه بوزن قصيدتها وقافيتها، تقول في المقطع الأول (5/90)
"لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي" ينـوء بطرف مستهام مؤرّق
ودونك دلّ الغـانيات يـروعني ودوني قلبي العِفّ يرنو ويتقي
أخولة مالي أكتم الحـب والهوى يمـزق أحشائي بسهم محدق
لسحرك إعيائي وسهدي ولوعتي "وللحب ما لم يبق منه وما بقي"
وفي موسيقى القصيدة تبدو عفيفة الحصني مغرمة بالبحور الخفيفة ومجزوءاتها، وإذا سلمنا أن ثمة علاقة بين موسيقى البحر وموضوعه، فإن المرء لا يميل في وهمي إلى قبول المجزوءات الراقصة للتعبير عن غرض الرثاء لأن تلك الموسيقى لا تناسب جلال الموضوع، فالشاعرة تستخدم مجزوء الرمل في رثاء عبد الناصر قائلة (2/5):
يا شهيد التضحيـاتِ عظّـم الرحمن أجره
في جنان الخلد يا من وهب الأوطان عمره
صاغك الله لشعـب العرب نبراساً ونُصره
غير أن الشاعرة تنجح في بعض الأحيان في الإفادة من البحر والقافية، فها هي ذي تتحدث عن فلسطين مستخدمة قافية وروياً ألصق ما يكون بالموضوع (4/ص107):
يا كعبة القدس ملء القلب شكواها يا أنة نبضةُ الأحرار شكواها
ولا تحفل الشاعرة كثيراً بالتصريع في مطلع قصائدها، ولا يخفى ما للتصريع من أثر كبير في ترسيخ القافية في أذن المتلقي، وفي إضفاء غنائية تساعد في وصول القصيدة إليه، ولنا هنا أن نستشهد بأحد الأمثلة القليلة التي تعتمد عليه فهي تقول في رثاء جمال عبد الناصر (2/58):
أمـةُ العـرب في حداد عميق أي خطـب مجلجـل وسحيق
أي عـين لم تبـك ناصر قومي أي قلـب لا يصطلي بالحريق
ولا بد لنا أن نشير إلى بعض الهنات في موسيقى قصيدتها مثل عدم الانتباه إلى ألف التأسيس، وتغيير البحر بين مقاطع القصيدة، إضافة إلى بعض الكسور الوزنية.
ولا يعدم المرء محاولات تجديدية في الموسيقى، ولكن تلك المحاولات لم تتعدَ تنوع القافية في قصيدة تبنى على الرباعيات، إلا في بعض القصائد التي لجأت فيها إلا استخدام نظام التفعيلة، على نحو ما نجد في قصيدة تخاطب فيها الشاعرة اسمها بخور مريم(4/ص30):
أذهلتني بمحاسن
جلت عن الوصف الدقيق
ورويت لي في طيها
أسرار أنباء الشروق
يا بسمة المعنى الدقيق
يا خفقة في القلب
تشدو لحن أنغام الكبار
لحناً ذكياً
حار في أمواجه
شط الصغار
بقي أخيراً أن أشير إلى أمرين في غاية الأهمية الأول أنني أكن كثيراً من التقدير للتجربة القومية الرائدة لجمال عبد الناصر، ولكنني أنبه على ضرورة فتح الآفاق الشعرية إلى أوسع مدى ممكن، والثانية أن الصفة التي تلفت النظر في تجربة الحصني هي الصدق الفني والذاتي، وهو صفة نادرة الوجود في هذه الأيام.

دراسة: قراءة في تجربة عبد الكريم عبد الرحيم

الشعر بين الأصالة و المعاصرة
قراءة في تجربة عبد الكريم عبد الرحيم

د. يوسف حطيني

حالما يبدأ المرء بقراءة شعر عبد الكريم عبد الرحيم يدرك أنه يقف إزاء شاعر ملتزم وقصائد ملتزمة بالوطن وتمجيدالحب والإنسان و إرادة الحياة ، و الالتزام الذي يطرحه الشاعر يتوكّأ في البداية على الاقتسار ولكنه سرعان مايتطور مع تطور مسيرته الشعرية متخلصاً من ضغط الفكرة لصالح قصيدة تفيد من إمكانات اللغة المختلفة . ويستطيع القارئ أن يطالع هذا التطور ويرصده بعد أن يقرأ دواوين الشاعر الثلاثة الصادرة حتى الآن حسب تواريخ صدورها وهي :
1 _ بين موتين وعرس _ 1985.
2 _ آخر اعترافات الندى _ 1996.
3 _ صاعداً إلى الطوفان _ 1997.
ومنذ القصيدة الأولى ، بل منذ السطر الأول يبعث لنا الشاعر رسالة واضحة عن رؤيتة لوظيفة الشعر الذي يجب ، وفقاً لشعراء الالتزام ، أن يحمل مصباحاً ينير درب الفقراء الباحثين عن مكان لهم ، عن المشردين الذين يبحثون عن بقايا الخبز وبقايا الأحلام ، لذلك فهو يتساءل :
أيا شعراء هذا .. الّسيف
يا شعراء هذا .. الزّيف
أين عباءة الفقراء ؟ 1/ 7
بحثاً عن المكان المفقود
من هنا فقد كان الشاعر يرفض الانتماء إلى أولئك الشعراء الذين لا يبحثون عن تلك البقايا ، وهو حين يبحث عنها إنما يجول بين ذكريات الوطن ، و يستجلب ماتبقى من أجزاء الصورة التي حاول الاستعمار محوها بكل ما يملك من وسائل القهر و الاستلاب ، و إذ ذاك يدهشنا عبد الكريم بكثافة هذه الذكريات و كثرة تفاصيلها ، وإذ ذاك أيضاً تنسرب الذكريات على شكل وطن ، وينسرب الوطن على شكل مدينة لا تشبه المدن : عكا التي تختصر الوطن ولا تمحوه ، عكا التي حملها الشاعر في قلبه قصيدة خالدة :
آه يا عكا
تعلمتكِ شعراً 1/18
تحضر عكا حضوراً طاغياً في شعره ، وهي في حضورها هذا لا تعني غياب المدن الفلسطينية الأسيرة ، فنحن نطالع يافا وبحرها ، وحيفا وكرملها ، والقدس وأقصاها ، دون أن نجد الحروف التي تشكلها ، لأن هذا الحضور يتشكل من خلال صور وإيقاعات تنطلق من عكا و تهتم بما هو مشترك بينها وبين رفيقاتها في الأسر ، فهي _ مثلهنّ _ تمثّل الماء والبحر والحياة :
آه عكا
كنتِ في الماء وسامي
و انبلاج البحر في حدقة قلب 1/19
و يبدو أنّ إصرار الشاعر على هذا الانتماء يعود إلى قناعته أنه يتمترس خلف كتلة صلبة من الماضي في مواجهة حاضر لا يستطيع لباحث عن حلم الوطن أن يركن إليه باطمئنان . و هنا يساوى سارق عكا من الأحلام بمن يسرق الماضي والحاضر و المستقبل ولابد للشاعر المقتلع من أرضه في هذه الحالة أن يرفض حاضره ، وأن يتخلّص من حلّه وترحاله ، حتى يحافظ على كبريائه الأصيل :
أحرقت وهم حقائبي
ليظل جلدي لون عكا 1/86
إنه يذكرها .. يذكر همومها .. أحزانها الصغيرة والكبيرة ، مستعد أن يحملها بقلبه على الرغم مما قد يسببه هـذا الحب من ألم .. على الرغم من لفح العشق الكسير ، إذ مهما حاول أن يتخلص من عذابه ، فإن نداوة العذاب وحلاوة الإحساس بحلم الوصول إلى الوجه العربي يبددان الإحساس بالهموم مهما كانت كبيرة :
_ هل فقدتَ هموم عكا ؟
_ بل فقدت نعاسهم ، ورجعت يخفق في ضلوعي
في دمائي وجهها العربي 1/86
ثمة أيضاً أمر مهم يدفع هذا الشاعر إلى الانتماء ذاته ، فعكا ضمانة النصر الأكيدة لأنها تحمل في وجهها العربي وعداً بالنصر ، و وعداًبالحياة ، و تحدياً للموت يملؤه انتشاءً ويعطيه زخماً جديداً و روحاً تستمدّ قوتها من هذا الانتماء :
لا أنتمي لسواك عكا
"فاقتليهم في الطريق إلى جنازتك الأخيرة " 2/65
و لأنّ الشاعر يبحث عن المكان في المكان فقد وقف حاملاً ظمأ الروح ،مادّاً يديه في كل الجهات ، سعياً وراء مكان يألفه ، ولن تطول الرحلة إذ سرعان ما سيصل إلى دمشق ، وهنا يبحث الكاتب عن التفاصيل ، في مواجهة ذاكرة تموج بالتفاصيل والذكرى لأول منزل يألفه ، معيداً علينا سيرة أبي تمام التي تداهمنا من بين السطور :
ألّفت وجهك يا دمشق
وما قرأت على ملامحك المواويل التي أهوى
وما هرّبت عكا
" حارة الأكراد " واقفة معي
في جرحها اليومي أفتتح الكتاب 1/24
وعلى الرغم من أن الشاعر يحمل عشقه الأبدي/ عكا/ فلسطين في قلبه فإنه يحمل ملء ناظريه صورة دمشق التي صار لقاء الشاعر بها شرطاً من شروط استمرار الحياة ، لأن دمشق لديه الشاعر المبتدأ والمنتهى ، ولأنها بقايا القلب في العيون :
من يدري .. لماذا صار لحمي وجه عكا ؟
وانتهيت إلى دمشق
ليس في عكا تلال
كيف يمكن أن تكون الأرض سالمةً
وما ألقى دمشق 1/35_ 36
وكثرما تطالع القارئ صورة دمشق فهو يعشق فيها الأمكنة التي رآها ، والتي انسربت من بين كفيه ، يعشق فيها الماضي العريق ، والمجد الغابر ، وألق الحاضر ، فهي تعني له انتظار المكان في المكان ، وربما تعني أيضاً حلم الانتصار :
دمشق تعانق الأبدا
رفعْت الغرة البيضاء
فوق جبين هذا المجد
فاتحدا 3/8
ويظهر الشاعر من خلال قصائده ولعاً دائماً بالمزاوجة المكانية فهو يزاوج بين عكا ودشق ويزاوج بين عكا و صيدا ، وبين عكا وبيروت ، ويجتهد دائماً أن تكون عكاه أحد طرفي المقارنة ، وكأن الشاعر يريد أن يمنح الحرية لعكا / لفلسطين من خلال تجاورها النصيّ مع المدن التي صنعت حرّيتها ، وكررت انتصاراتها على الغزاة ، ملمّحاً إلى الانتصارات التاريخية التي صاغها الشعب الفلسطيني ، بما يحمله هذا التلميح من قدرة على نسج مستقبل يعد بالكثير :
و أحبّ عكا
كلما مرّت إلى صيدا السفائن و الغزاةْ 2/24
وحين تتعرض بيروت لعسف القصف الوحشي الاسرائيلي يجد الشاعر فيها تكراراً ممضّاً لمأساته ، تكراراً لدم يراق .. ويتوحّد الدم ، وتتوحّد الذكريات ، و يصبح الخندق واحداً مرةً أخرى ، وهنا ترتبك روح الشاعر المذعورة ، ليس خوفاً على بيروت فحسب ، ولكن على الأعراف والتقاليد التي يحاول الآخرون طمسها في داخل فلسطين وخارجها .. إن صورة بيروت هنا هي صورة ما استلب منّا : الوطن والفرح والحرية والطمأنينة:
لم تكن بيروت شمساً
أو سماءً
ساعةً للفرح الشعبي كانت
ساعةً خارج كرم "الجند"
ما كنا رجال الشمس
أو بعض صغار الأنبياءْ
ساعة خارج أسلاك الرقابة
ونشيداً دموياً للمساءْ 1/21
تشخيص الميت ـ الحي
فإذا انطلقنا من تلمس صفات المكان نحو التشخيص الذي مارسه الشاعر على عناصر متعددة ،فإننا سنلمس اهتماماً واسعاً ببناء الشخصية ، ويلاحظ أن الشخصية الأكثر وروداً في مخيّلة الشاعر وعلى أوراقه هي شخصية الشهيد التي يسعى عبد الكريم إلى تخليدها و إلى تخليد شعره من خلالها ، فالشهداء حاضرون دائماً وعلى رأسهم شهداء النضال الوطني فوق التراب الوطني:
كان
"جمجوم "
ينادينا
" الحجازي "
من حبال المشنقة2/34
وها هو ذا شهيد آخر يضيء كوكبة الشهداء ، يرصد الشاعر بكفاءة فنية عالية تفاصيل الحياة الغنية لطفل في السابعة من عمره ، يختلط دمه بالتراب والزيتون والكتب المدرسية ، إن الشاعر يدرك هنا أن قصيدة التفاصيل هي التي تقنع القارئ وتقنعه و تدخله عنوة إلى روح القصيدة ، خالقة الانطباع الذي يسعى الشاعر إلى إحداثه ، و الخرق الفظ الذي يريد أن ينبه عليه : إنهم يقتلون الأطفال :
إنه أصغر أنهار بلادي
أطول الأيام في العمر الحزين
_ أخرِجوا من قاعة الموت البكاء
واتركوا الزيتون والدفتر واللحم الطري المدرسي
_ أين عيناه ؟ و " لوح " حجري
_ أين كفاه ؟ ولوز الأرض مرمي على جيب الرداء 1/41
ويحلّق قلم الشاعر بعيداً وراء الشهداء ليعانق كل من سقط دفاعاً عن الانتفاضة ، ووقفة العز العربي التي تمثلها و ها هو ذا يخلّد الشهيدة سمية مزابي التي استشهدت قرب جامعة فاس وهي تهتف للانتفاضة ، ويهتف إلى جانبها لحناً شعرياً حزيناً :
من بيت ساحور
ومن أعلى جبال الأطلسيّ
تأتي معلقة الحجارة
أيها الطفل النبيّ 2/27
و يبدو عبد الكريم غير مستعدّ للتنازل عن هذا اللحن ، لذلك فهو يطرب إليه ويكرره ( ص ص 30 _ 31 ) و أنّى له أن يتنازل و هذا اللحن هو لحن الأرض ، والأرض كلمة صغيرة ولكنها كافية لكي يلقي الشاعر بأحمال ذاكرته في حضرة القصيدة :
أنكون أم لا ؟
تقرأ الأمواجَ ذاكرة
و يشتعل الجليل :
آذار مرّ على قرانا
تنهض الأرض البشارة 2/ 67_ 68
إن شعر عبد الكريم عبد الرخيم ثوري بامتياز فهو _ بالإضافة إلى كونه شعراً مكانياً يمجّد الشهداء والأرض _ يستعين بالتفاؤل الذي تفيض به روح الشاعر وقصائده رغم الدماء التي تراق ،و الأعراض التي تستباح والمجازر التي ترتكَب :
من كل مقبرة سيأتينا الجليل
من كل مجزرة سيأتينا الجليل
من ظل أعلام الحفاة القادمين
ستطير قبّرة الجليلْ
وتفرّخ الأفراحَ في عكا
وإني أنتمي :
هذا دمي 2/69
من المباشرة إلى شعرية القصيدة
غير أن انشغال الشاعر بالفكرة الوطنية ، و إلحاحه عليها في بداية مسيرته الشعرية ، قاده دون إرادة منه إلى المباشرة ، و هو الأمر الذي سيجتازه فيما بعد ، إذ كنّا نقرأ له عبارات مرهقة بالفكر والأيديولوجيا من مثل قوله :
يسار أيها الأمراء..
يسار أيها الشعراء..
يسار واعبروا الميناء 1/ 11
إن إصرار الشاعر على كلمة (( يسار )) في السياق السابق يقود النص الشعري إلى نوع من الذهنية القسرية و يحرم القارئ من لذة الكشف و تحريض المخيلة المتلقية ، و ربما يكون المقطع التالي أكثر مباشرة ، و أظهر صوتاً إذ يستعين الشاعر بمفردات مثقفي البروليتاريا بدلاً من رمزية الصورة وإيحاء الموسيقا وغنى التناص :
لماذا تولد الثورة
تلمس جرح فلاح من "الكنغو"
و عمال زراعيين في "سايغون" 1/57
غير أن الشاعر الذي عني بتثقيف نفسه تراثا و حداثة وفناً استطاع خلال فترة قصيرة نسبياً أن ينتقل إلى لغة أكثر طواعية ، و عبارات أسرع دخولاً إلى قلب القارئ ، معتمداً على عدّةٍ جديدة : مفرداتٍ تحمل الكثير من الدلالات ، علاقاتٍ جديدة بين الكلمات والتراكيب ، و إحساس مفعم بالإيقاع ، وفي المقطع التالي دلالة واضحة على ذلك :
مرّ المساء
وكان يشبعه الرصاص
وغيمتان تعرتا قلقا
يلجلج فيهما صوتان
من صوب القبائل قادمان 2/5
و هنا صار بإمكان القارئ أن يحس بما يختلف منذ بداية القصيدة ،وأن يرتاح للمطلع الذي يحمل إحساساً بقدرة الكاتب على نقل إحساسه من خلال الاعتماد على الحال بما يحمله من قدرة على نقل المراد وبخاصة حين تلحقه الجملة الفعلية :
متلبساً بالشوق
أوثقني المكان
وغادرتني القبرة 3/49
و قد استمرت إفادة الشاعر من الحال في هذه القصيدة حين أدرك نجاح هذا النمط اللغوي فاستعان به مرة أخرى، و رسّخ في النصّ نوعاً من التدفق الذي يستند كذلك إلى العطف والبدلية ، والمعرفة التي ازدادت اتساعاً بأسرار انسياب النغم :
متلبساً بدم الحكاية
أيها الرجل المتعتع بالحكاياتِ
الشقاوةِ
و المغلّس بالنداوةِ
و البداوةِ
و المشجّر بالأسى والذكريات….. 2/54 _55
وقد استطاع الشاعر شيئاً فشيئاً أن يعطي جمله وتركيباته الشعرية دفعاً إيقاعياً يعتمد على التفعيلة والتدفق الناجم عن امتلاء نفس الشاعر بما يكتب ، والتكرار المدروس لبعض المفردات مما جعل كثيراً من نصوصه وحدات مرتبط موضوعياً واستعارياً و إيقاعياً وباختصار : مرتبطة عضوياً :
يا أيها الوطن المرابط
في مجازر أهله الفقراء
لا تشرب دمي
فأنا النخيل
أنا العويل
أنا السقوط
أنا السماء
و أنا الأناشيد الصغيرة في الحكايا 1/16
وفي المقطع التالي يبرهن عبد الكريم عبد الرحيم مرة أخرى أن العطف و تكرار النمط اللغوي يؤكّدان قدرتهما على أن يكونا رافِعَيْن مهمين من روافع الموسيقا الشعرية ، و هما قادران على أن يحملا عبء الإيقاع عن القوافي الداخلية التي أهملها الشاعر حيناً ،ثم أفاد منها فيما بعد ، يقول الشاعر :
أيها المتراس .. من عكا
إلى لحم الطفولة في "الدهيشة "
كيف تعرفنا المحطات ؟
المكاتب ؟ مجلس الوزراء ؟
هيئات الدفاع عن الحقوق ؟ 2/28

إيقاع القصيدة .. إيقاع الحياة
أمّا فيما يتعلّق باللغة المجازية فقد نجح الشاعر تماماً ، وبمرور الوقت في تجاوز طغيان اللغة الأيديولوجية التي وسمت عموم الأدب الفلسطيني في مرحلة سابقة ، واستطاع الانتقال من ( شدو الرصاصة ) 1/15 إلى ( مقلتاك الرايتان يداك / عرش الشوق ) 2/41 دون أن يفقد البوصلة ، و دون أن يهادن الراقصين على جراح النكبة ، ودون أن يصفق للذين يصوغون من جراحه كلاماً يستجدي أكفّ المصفقين ، كما شهد تطور حسه الإيقاعي تطوراً ملموساً ، إذ اكتفى في بداية مشواره الشعري ، بشكل غالب ، بالتفعيلة التي أتقن تطويعها ، دون أن يَجهد في الإفادة مما تتيحه لغتنا وثقافتنا الموسيقية لرفع مستوى شعرية النص ، ويكثر ذلك في ديوانه الأول ، و من هذا الكثير قوله :
كلّما عاد الصغار من الحقول
تجمّعوا حولي
وكنت أعيد مرثاتي وأضحك
في المقابر
ثم أرقص في الجنوب
لعين صيدا يرسَم العلم البهي
و لساعة الحشر الصفاء 1/16
كما كان عبد الكريم عبد الرحيم يسعى إلى ترسيخ موسيقا النص عن طريق تكرار بعض التراكيب ، و لا يخفى على أحد الدور الذي يمكن أن يضطلع به التكرار على الصعيدين الإيقاعي والدلالي ، ولكن الشاعر ، في بداياته طبعاً ، جعل من العبارت المتكررة كماً مهملا ومربِكاً للقصيدة على الصعيدتن المشار إليهما:
وقفت على بيت مهدمْ
وقفت على شمس المخيمْ
وقفت تقاتلْ
وقفت تقاتلْ
وقفت تقاتلْ 2/36
وقد تكرر هذا في شعره عدة مرات دون أن يفيد إفادة حقيقية ( هل وحدها النار الدليل ؟ /هل وحدها النار الدليل ؟ ) 2/62 ، و كذلك ( واغمريني / واغمريني /واغمريني ) 2/101. و مع تطور الشاعر الفني والذوقي والجمالي أصبحت الغنائية ركناً أساسياً ورافعاً من روافع القصيدة:
أخرجيني .. لا المدائن
لا العذارى
سيلوّحن لركبي
عربات الليل يعبرن سكارى
و أنا أحرس قلبي 2/97
و يستطيع القارئ في المقطع السابق أن يلاحظ مدى التوفيق الذي أصابه الشاعر في ترسيخ موسيقا النص عن طريق تضافر المفـردات ذات الجرس المناسب ، و التفعيلة المطمئنة و تزاوج القوافي الداخلية ( آرى = آرى / بي =بي ) مما يمنح النص غنائية تجعل منه أنشودة بالغة العذوبة . ولم يقف الشاعر عند هذا الحد بل صار يستعين بالصورة وعمق الفكرةلي}دي النص غايته بكل براعة :
و مريم تحمل حزن المدائنْ
و تسقي القوافل بعض السلامْ
و تسقي الكلامْ
خلاصة آيتها الساحرهْ
و تسأل أطفالها القاعدين
بباب القصائد
نبياُ يعود إلى الناصرهْ 3/20 _21
وهنا يبدو أنالشاعر قد فهم لعبة الشعروغدا غير مستعد للتنازل عن فهمه هذا في ممارستها الفذّة :
مطر ونيران
وخوف في الطريقْ
شجر وأحجار
تفتّح غابة أسرارها
و الماء يعلو والحريقْ 3/67
النص القديم ..النص الجديد
و ثمة ملاحظة لا تخطئها العين في شعر عبد الكريم وهي شغفه الدائب بالتراث والإحالة عليه ، وهو الأمر الذي يجعل نصه فسيفساءً تناصياً ، فهناك حضور كثيف للتناص الديني و الأدبي و الأسطوري ، وهناك توظيف فعّال للنص الديني ، وها هو ذا الشاعر يطرح دعوته لنا أن نتمسّك بدرس الموت ، حتى نقطف الحياة التي نشتهي ،مستفيداً من نص قرآني يحفظه العامة والخاصة :
فاعتصموا بحبل الموت في صبرا وشاتيلا
ولا تنسوا الولادة 2/67
و الشاعر في المقطع التالي يفيد من القرآن الكريم إفادة مزدوجة ، إذ يحيل على النص القرآني أولاً ، و يحيل ثانياً على اسم مريم ، بما يحمله هذا الاسم من رصيد تاريخي رمزي ، ليعطي ليلى /الوطن صفات الطهر و القداسة ، وهنا يحمل الشعر رسالته التي تجعل فلسطين مريمَ جديدة تدافع عن طهرانيتها .. عن شرف استبد به الغزاة :
ليلى .. أيا ليلى
أيا حطب الشتاء
وغلة القمح المعبّأ
و السلالْ :
هزي إليك بجذع قلبي
يرتمِ الموال
والزمن المحاصر في التلالْ 2/83
وهناك الكثير من الإحالات التي لا تخفى على القارئ إلى امرئ القيس و طرفة والمجنون و الفارعة بنت طريف و جلجامش … ، من مثل (عائد فرسي إلى "سقط اللوى" 1/34 /لولا ثلاث ما سكت ولست أسأل : " أيهذا الزاجري " 2/6 وكاد يخرج عوّدي 2/9 ) ولا يجعل الشاعر إحالته تكراراً لما قاله الأسبقون ،بل يحاول في كثير من الأحيان أن يقوم باختراق المفهوم السائد ،فهو لا يقبل الموت الذي أقره امرؤ القيس بل يرفضه رفضاً قاطعاً:
إنا نحاول أن نعيش
و أن نعيش
ولا نموت فنعذرا 2/45
ولعل قصيدة ( أيا شجر الخابور ما لك) أن تكون أكثر القصائد إفادة من التراث العربي الخالد ، إذ يكرّر حزن الفارعة بنت طريف ، ولكنه يطرح سبباً مختلفاً ، فإذا كان حزن الفارعة يعود إلى موت أخيها ، فإن حزن الشاعر يعود إلى فقدان ما هو أثر من ذلك بكثير ،إذ غاب الفرح و الحبيب و الوطن ( غاب طفلاً عن الدار 3/34 ) لذلك يعاتب الشاعر شجر الخابور بما يحمله من حزن الأيام و بكاء القرون الطويلة:
أتورق من دمنا المستباح
أيا شجراً ليس ينسى البكاء 3/ 36
وإذا كانت الفارعة قد فقدت أخاها إلى الأبد فإن الجدبد في ترميز الشاعر أنه يشير إلى حزنين يحمل أحدهما ، على الأقل ، إمكانية التحول إلى فرح ، حين يسترد مفقوداته : أحبته وبيته ووطنه ، عكا التي تنتظره وتنتظرنا جميعاً .
د. يوسف حطيني
دمشق 18/8/99