لكل الناس وطن يسكنون فيه، أما نحن فلنا وطن يسكن فينا

الاثنين، 26 أكتوبر، 2009

دراسة: القصة القصيرة جداً عند زكريا تاكر

القصة القصيرة جداً عند زكريا تامر

يوسف حطيني



ليس ثمة ما يغري بالكتابة مثل نص إبداعي قادر على أن يقارف الواقع ليفارقه، يستند إليه ليتجاوزه، في لغة تبدو فيها القصيدة أوسع أفقاً من سمائها، والقصة ذاتها أرحب دلالة من واقعها، وهذا بالطبع لا يتوفر إلا في القليل الاستثنائي من الإبداع، ومن غير شك فإن زكريا تامر الطائر الذي انطلق من دمشق ليعانق الإنسانية، يعد واحداً ممن ينتمون إلى هذا القليل الاستثنائي، لما فيه من جدة وأصالة وتفرد وإصرار على التجديد.
فمع انطلاق صهيل جواده الأبيض منذ ما يزيد عن أربعين عاماً، أطلق زكريا لغة متميزة، تغرد خارج سرب اللغة السردية العربية الحديثة، وتتمايز عن لغة كتاب القصة العربية وتتجاوزها. غير أنه لم يكتف بتجاوز الآخرين، لأنه كان دائماً مشغولاً بتجاوز نفسه، وهذا أعظم الهواجس التي تخلق كاتباً من طراز فريد.
في عالم زكريا تامر القصصي يزداد الواقع البسيط غنى وتعقيداً، ويبلغ في كثير من الأحيان حداً من التكثيف يجعل النص السردي لا يتجاوز أسطراً معدودة، مما ينتج قصة قصيرة جداً قادرة على أن تمزج الحلم بالواقع، والأسطورة بالحياة والأصيل بالمعاصر، مما يجعل الخوض في هذا النوع من القصص مغامرة محببة، إضافة إلى أنني، شخصياً، أميل إلى هذا النوع الأدبي القادر على حمل الهموم المختلفة من اجتماعية ووطنية وقومية وإنسانية.
وبعيداً عن التنظير للقصة القصيرة جداً، وبعيداً عن الخلاف حول انتمائها إلى القصة القصيرة أو استقلالها عنها، فإن زكريا قدم مجموعة من القصص القصيرة جداً التي افترضت شكلاً آخر من التعامل مع عناصر النثر الحكائي من زمن ومكان وشخصيات، وتعاملت مع لغة الحكاية بشكل أكثر تكثيفاً وإصراراً على الطاقة الفعلية للجملة، كما سيتضح لاحقاً. ويذكر هنا أن القاص قدم عدداً لا بأس به من القصص القصيرة جداً استطاعت أن تقول الكثير، وأن تحمل العديد من الرؤى والدلالات المباشرة المفتوحة على دلالات أكثر اتساعاً.
يؤمن زكريا تامر ودون مواربة بأن الحكائية شرط كل نثر قصصي، وعلى الرغم من استخدام مجموعة التقنيات القصصية التي يتيحها التلاعب بالنظام اللغوي، فإن القاص لا يركن لهذه التقنيات، مستسلماً لغوايتها، بل يضعها جميعاً في خدمة الحكاية، وعلى الرغم مما يشار إلى أن زكريا تامر هو شاعر القصة العربية القصيرة، فإنه بقي قاصاً لأنه عرف كيف يفيد من شعرية الحكاية، ويخيل إلي أن أهم الفروق بين الشعرية الحكائية، والحكائية الشعرية، إضافة إلى الإيقاع، أن الأولى تضع إمكانات الحكاية في خدمة الشعر، أما الثانية فأنها تضع الصورة واللغة والمجاز والأسطورة والحلم والكابوس والتوتر اللغوي… في خدمة الحكاية.
في قصة "رجال"، يقسم عبد الحليم المر خمس مرات أن يطلق زوجته قسماً شَرْطياً:
1. إذا تجرأت على الخروج من البيت من غير إذنه.
2. إذا مشت في الشوارع بغير ملاءة.
3. إذا علم أنها تكلم رجلاً غيره.
4. إذا ما اتضح أن سبب انتفاخ بطنها هو الرجل الذي ضبطه معها في السرير.
5. إذا ما ولدت بنتاً مرة أخرى بعد مضاجعة أحد الأغراب.
ولكن الذي يحدث أن الرجل لا يجد نفسه مرغماً على طلاقها على الرغم من أنها حرصت على الخروج من بيتها كل يوم دون إذنه، وهجرت ملاءتها واستخدمتها ممسحة للبلاط، وضبطت من قبل زوجها في سرير الزوجية مع رجل غريب، ثم انتفخ بطنها وأنجبت بنتاً. والمفارقة التي هي شرط كل قصة قصيرة جداً تأتي مع النهاية التي تصنع عقدتها على عجل وتحلّها في السياق التالي الذي يجسد وعي القاص إلى كون هذا الشكل الطريف للقص لا يسمح بإزجاء الوقت والسطور جرياً وراء أي تفصيل يخرج القصة من كثافتها:
"ولكنه طلقها بعد أسابيع عندما ضبطها وقد نسيت أن تضع ملحاً في طعام طهته[1]".
ومثل هذه المفارقة يمكن أن نطالعها في قصة "السارق والمسروق" التي تحكي حكاية لص يسرق بيته، بعد أن أدركته الشيخوخة، وآن أوان تقاعده من اللصوصية:
"أخلى المطر والبرد والريح والليل الشارع من المارة، ولكن ثمة رجلاً لم يكترث لهم، واستمرّ في سيره المترنّح المتمهّل، وراقب البيوت بيتاً بيتاً، واختار أحدها، وانتظر قربه حتى أطفئت كل أنواره، وانتظر انتظاراً آخر، قدّر أنه كاف لأن يغرق سكان البيت في النوم العميق، ثمّ تسلل إلى إلى داخل البيت هازئاً بكل الأبواب المقفلة، وحريصاً على العمل، بما كان يردده دائماً بتباهٍ: "أدخلُ كالنسيم، وأخرجُ كالنسيم".
وجال الرجل في غرف البيت متجنباً الغرف التي يظنّ أنها غرف نوم باحثاً بهدوء عما غلا ثمنه وخفّ وزنه، وكبت شهقة تعجّب عندما تنبه بغتة لصورة فوتوغرافية معلقة على الحائط لرجل ضخم الرأس ذي وجه صلف متعجرف، وضحك بصوت عالٍ ساخر غير آبه لسكان البيت إذ علم في تلك اللحظة أنه يحاول سرقة بيته، وجلس على أحد المقاعد مكتئباً كآبة لا سبب لها إلا تيقنه بأن يوم تقاعده لم يعد بالبعيد
[2]".
ويحرص القاص في هذا النوع من قصصه على تحقيق الوحدة الموضوعية، واختصار مجموعة الحوافز الحكائية المختلفة التي تتضمنها القصة القصيرة العادية إلى حافز حكائي واحد، أو إلى مجموعة من الحوافز الحكائية المتشابهة، كالنمط الشرطي في القصة السابقة الذي يقدم، إضافة إلى إغناء النص إيقاعياً، مجموعة من الحوافز التي تقوم عليها الحكاية، والتي تتلخص في الخرق المتعمد لأوامر الزوج "المطلاق!!" من قبل الزوجة، ومثل هذا التشابه المقصود في الحوافز المحركة للحكاية يمكن أن نجده أيضاً في قصة "صامتون" التي تتكرر فيها الصفعة، وتتكرر الإشارة إلى الصافع المجهول، إذ يتلقى زهير صبري الصفعات المتتالية من ذلك الصافع المجهول، عندما التقى امرأة تشبه زهرة حمراء على غصن أخضر، وعندما قال لأحد الأثرياء إنه أعظم رجل أنجبته البلاد، وعندما قبل بخشوع يد رجل ذي لحية طويلة مشعثة، ورجاه أن يدعو له، وإمعاناً في إعطاء هذا الحدث صفة الديمومة فقد جعل القاص زهيراً يتلقى الصفعات كل يوم، من دون أن يرى الصافع المجهول، وتتضافر كل هذه الحوافز المتشابهة لتقدم نسقاً ختامياً يستند إليها، ويمنح القصة دلالات وارفة:
"ولم يكلم أحداً عن تلك الصفعات السرية حتى لا يُسخر منه ويُتهم بالجنون، ولكنه كان واثقاً بأن الناس أجمعين يُصفعون مثلما يُصفع ويلوذون بالصمت
[3]".
وفي كل مرة، وفي كل قصة قصيرة جداً يقدم زكريا عدة مقدمات متشابهة ليبني عليها بناءً هرمياً واضح الهوية، وهو أمر لا يلجأ إليه حين تمتد القصة على عدة صفحات، وفي تقديري أن تقديم الحوافز المتشابهة تمهيداً لتقديم حافز مختلف هو لعبة زكريا المفضلة في قصصه القصيرة جداً، ويبدو هذا "الخيار" قسرياً إلى حد بعيد، في هذا النوع من الكتابة،لأن اختلاف الحوافز وتعدد الحبكات والعقد، يمكن أن يقود إلى نوع من الترهل الذي يفقد القصة القصيرة جداً تمركزها.
ويلجأ القاص في قصصه القصيرة جداً إلى التكثيف، وهو تكثيف يستند إلى خبرة ودراية في انتخاب المفردات، دون أن يخل بالرؤى أو الشخصيات، وربما كان التكثيف هو الامتحان الأصعب للقاص الذي يُقبل على هذا النوع من الكتابة، وقد يخفق كثير من القاصين أو الروائيين في كتابة هذا النوع الأدبي، بسبب عدم قدرتهم للتركيز أو عدم ميلهم إليه. وينبغي هنا أن يشار إلى أن مبدأ الانتخاب اللغوي هو مبدأ قائم في جميع أنواع الكتابة، ولكن الإخفاق فيه يبدو في القصة القصيرة جداً واضحاً، لا يستطيع الاختفاء على مساحة القص.
في قصة "الإجازة" يقدم زكريا تامر رؤية إنسانية تنفتح على القراءة والكتابة دون أن يفقد ميله إلى التركيز: "رحب دياب الأحمد بتكاثر الكتب في بيته، وازداد ابتهاجاً عندما خرج من صفحاتها رجال ونساء وأطفال، تكلموا معه، وشربوا من قهوته، ودخنوا من سجائره،وأكلوا من طعامه، وناموا في سريره، واستحموا في حمامه، واطلعوا على مذكراته الخاصة الملأى بالشكوى والسخط، ومزقوها بأيدٍ مرحة، وصنعوا منها قبعات وزوارق وطائرات، ونجحوا في إغرائه بالرحيل معهم إلى أرضهم الخضراء، ففحص الأطباء ملياً جسده الساكن، وقرروا أنه مصاب بإغماء لن يصحو منه، واستغربوا وجهه المطمئن الضاحك.
[4]"
فعلى الرغم من الجمل القليلة التي تحكم البنية اللغوية لهذه القصة، فإن الدلالة تنفتح على عالم الكتابة والقراءة، وهو العالم الذي يبدو، وفقاً لزكريا تامر، الأكثر رحابة وجمالاً وخصوبة وثراءً. وقد استعاض القاص عن الشرح الطويل، بالاستناد إلى الجزئيات الموحية، فالذين خرجوا من الكتب "تكلموا معه، وشربوا من قهوته، ودخنوا من سجائره،وأكلوا من طعامه، وناموا في سريره، واستحموا في حمامه، واطلعوا على مذكراته الخاصة الملأى بالشكوى والسخط، ومزقوها بأيدٍ مرحة". وكل هذه الأفعال الإنسانية الموحية تشي بالنهاية المطمئنة لذلك الذي عاش في عالم من الحق والخير والجمال، عالم يدعو له القاص ولا يجد له مثالاً إلى في أحلامه، وأحلام أبطاله.
ويدرك القاص جيداً أن القصة القصيرة جداً لا تستغني عن المفارقة، إذ هي عنده أساس من الأسس التي لا غنى عنها أبداً، وتعتمد على مبدأ تفريغ الذروة، وخرق المتوقع، ولكنها في الوقت ذاته ليست طرفة، وإذا كانت هذه القصة تضحك المتلقي، في بعض الأحيان، فإن هذا الضحك يكون في كثير من الأحيان مؤلماً إلى حد البكاء، ويسعى إلى تعميق إحساسه بالناس والأشياء، ولعل إيجاد المفارقة أن يكون أكثر جدوى في طرح الأسئلة الكبيرة حول العولمة والهوية وحقيقة الشرف، ونسبية المفاهيم، والقدرة الخارقة التي يتمتع بها المهزومون الذين يجعلون العهر شرفاً، وفي واحدة من أكثر قصصه نجاحاً تقدم النهاية مفارقة تثير السخرية والألم في آن، يقول في قصة "الشهادة":
"تباهت بهية أمام نساء حارتها بحفاظها على شرفها وشرف الحارة التي ولدت فيها، وحكت ما جرى لها أمس عندما كانت تتنزه في أحد البساتين القريبة، فالرجل المجهول الذي اغتصبها شهر سكيناً تذبح جملاً، وأمرها بأن تخلع كل ثيابها، ولكنها لم تخلع جواربها متحدية أمر الرجل وسكينه، فشهقت نساء الحارة معجبات بها، وانتشرن في البساتين عازمات على ألا يخلعن الجوارب"
[5].
وقد تعتمد المفارقة على إعطاء الجملة بعداً دلالياً بنائياً، يتجاوز الدلالة اللغوية المباشرة، على نحو ما نجد في قصة "آخر مشاجرة":
"جاء رجل إلى جحا، وقال له متشكياً: "عندي زوجتان لا تكفّان عن التشاجر، واليوم أوشكت الواحدة أن تخنق الاخرى، فماذ ا أفعل؟"
قال جحا: " ولماذا تشاجرتا اليوم؟"
قال الرجل: "واحدة كانت تقول إن ما يفعله ملكنا يؤهله للشنق، والثانية تقول إنه يستحق السجن فقط، فهل لديك نصيحة تساعدني على وضع نهاية لمشاجراتهما؟"
قال جحا أنت لست محتاجاً إلى أية نصيحة، فحين ترجع إلى البيت لن تجدهما، ومشاجرتهما اليوم آخر مشاجرة".
وتزوج الرجل امرأة ثالثة.
[6]".
ويوظف القاص في قصصه القصيرة جداً الجملة الفعلية توظيفاً خلاقاً فهو يتابع حكايته، وينمي حركتها، فيستخدم الجملة الفعلية بشكل كثيف، كما يتعامل مع الجملة ذات القدرة على الفعل ( كالجملة الاسمية التي يأتي خبرها جملة فعلية )، لأنه يدرك بحسه الإبداعي أن هذا النوع من الكتابة يعتمد على تقديم الفعل الحكائي، مما يكاد يفرض شكلاً محدداً من التعامل مع اللغة، فالجملة الفعلية هنا تدل على وعي بالعملية الإبداعية، ولنا أن نشير إلى إحدى قصصه، وهي تحمل عنوان "التصغير الأول":
"كان عبد النبي الصبان رجلاً ضخماً طويل القامة، عريض الكتفين، اعتقل ليواجه اتهاماً بأنه في كل لحظة يستنشق من الهواء أكثر من حصته المقررة، فلم ينكر، وأقر بأن السبب يرجع إلى أنه يملك رئتين كبيرتين هما وحدهما المسؤولتان، فأحيل تواً إلى مستشفى بعد أسابيع رجلاً جديداً ذا قامة قصيرة، وصدر ضيق ورئتين صغيرتين، يستهلك يومياً هواءً يقل عن الحصة المخصصة له رسمياً"
[7]
ولا يفوت القاص أن يسمي شخصيات قصصه، إذ نقرأ في قصصه عن دياب الأحمد، وعبد الحليم المر، وزهير صبري، وخالد الحلاب وموفق النمس وليلى المجهولة الكنية، ونور الدين الطحان…. ويبدو أن أسماء الشخصيات لديه يسعى إلى منح الشخصية تشخيصاً من نوع ما، ويشعر القارئ أنها واقعية تنتمي إلى زمن ومكان معينين، فهي "نماذج اجتماعية مألوفة رغم أنها غريبة" وتتحرك "في حيز جغرافي محدود هو حي شعبي في أي مدينة عربية، يزيد عن حدوده ليصبح فلكاً اجتماعياً" كما يشير د. إبراهيم مهوّي في كلمته على الغلاف الأخير للحصرم.
ولعل من الغريب أن يشير زكريا في قصة "اسم واحد" مشكلة التسمية التي تقرب الشخصية من بيئتها، إذ يطرح قضية غياب الاسم أو توحيده رمزاً للتذويب أو الاشتراك في الهم، تقول القصة:
"وقف جحا يوماً خطيباً بين الناس، وقال لهم: إياكم وأن تسموا أبناءكم إلا باسم أيوب.
فاتهم الناس جحا بالحمق والبلاهة، ولكنهم عندما ازداد فقرهم وذلهم، أدركوا الحكمة التي كانت متوارية في نصيحة جحا
[8]"
وهذه النصيحة الغالية التي يقدمها جحا، ومن خلفه زكريا تامر تؤكد مدى انشغاله بهموم الناس البسطاء، جماعة أيوب الذين يستثنيهم المطر العابث من عطائه، في قصة أخرى لزكريا من مجموعة قصص عنوانها بيت كثير الغرف، وتحمل هذه القصة عنوان "المطر العابث":
"في يوم من أيام صيف حار، غطت سحبٌ سود سماء المدينة، فنظر الناس إليها بخوف واستغراب، ولكنها باغتتهم بأنها أمطرت فوق رؤوسهم دولارات من الصباح حتى المساء، فأتيح لكل واحد منهم أن يجمع من الدولارات قدر طاقته وجهده.
وفرح الفقراء فرحاً منعهم من النوم ليلاً، وتراكضوا في الصباح إلى المصارف، وتزاحموا على أبوابها قبل أن تفتح، ولكن المصارف أبت التعامل مع دولاراتهم إذ ثبت أنها مزورة تزويراً ساذجاً، لا يخدع أحداً بينما كانت الدولارات التي جمعها الأغنياء حقيقية ومرحّباً بها، واضطرت السلطات المختصة إلى إصدار تعليماتها المشددة التي تقضي بمصادرة تلك الدولارات المزورة ومعاقبة مقتنيها ومروجيها.
[9]"
وتثبت القصة القصيرة جداً على يد زكريا تامر قدرتها الفائقة على التعبير عن الهم الاجتماعي والوطني والإنساني، مما يثبت، على الأقل، أن قصصاً بهذا الحجم قادرة على أن تقول الكثير، ففي قصة "الثوب العتيق" على سبيل المثال يدخل القاص في عمق المجتمع العربي معبراً عن واحدة من أكثر المسائل الاجتماعية طرحاً على القصة العربية، غير أنه كان قادراً على إثارتها من خلال قصة لا تتجاوز الأسطر القليلة:
"أقدم رجل مجهول على اختطاف ليلى ابنة مؤنس العلام في الليلة التي ستتزوج فيها محمود الخال، وأعادها بعد ثلاثة أيام منهكة كأنها لم تنم لحظة طوال مدة اختطافها، وكان محمود الخال يحب ليلى حباً ذاع صيته، فأقسم أنه سيقتل مختطفها ويشرب من دمه، ولكن ما أدلت به ليلى من معلومات عنه لم يرشد إليه، وظلّ مجهولاً تستقصى أخباره.
وتزوج محمود الخال ليلى بعد أن وافق أهلها على خفض مهرها بعد مساومات مضنية دامت أشهراً تغلبت في ختامها حجة الوسطاء المعترفة بالفوارق بين ثمن الثوب المستخدم وبين ثمن الثوب الجديد، فحسده كل أصدقائه لأنه محظوظ نال كل ما كان يحلم به ولم يدفع إلا أقل من نصف السعر المطلوب
[10]".
وفي قصة "نهاية انتظار طال" يكشف القاص وجهاً بشعاً من أوجه الاستغلال، حين يحكي لنا حكاية الأب الذي مات فاستولى أبناؤه على معطفه وقميصه وبنطاله وجواربه وثيابه الداخلية وحذائه، فاستحيا من عريه، وعندما سألهم بصوت متهدج عمن سيرث ديونه، تبادلوا النظرات المتعجبة، " واتفقوا على أن ما سمعوه ليس سوى وهم، فالميت لا يستطيع التكلم بعد موته
[11]".
أما في قصة "الفتوى" فإن البعد الطبقي لرؤية الحدث ذاته يتجلى في صورة فاضحة، إذ ليس ثمة فرق في الفعل، ولكن الفرق يكمن في زاوية النظر فحسب:
"تزوجت إحدى النساء، وأنجبت طفلاً بعد ثلاثة أشهر، فقصد جيران المرأة جحا، وحكوا له ما جرى، ورجوه إبداء رأيه، ففكر جحا طويلاً ثم قال: "إذا كانت المرأة فقيرة فابنها ابن حرام، أما إذا كانت غنية، فابنها معجزة من المعجزات التي تبين قدرة الله جلّ جلاله.
[12]"
وفي القصة الخامسة، من قصص مجموعة "تكسير ركب"، يناقش زكريا قضية اجتماعية منتشرة، إذ إن الشاب حين يريد الزواج فإنه يبحث عن فتاة بلا تجارب بغض النظر عن تجاربه الذاتية، وعلى الرغم من أهمية الفكرة فإن صياغة النهاية بهذه الطريقة يجعل منها طرفة مستهلكة مبتذلة.
"تأخر حسن في الزواج ريثما يجد امرأة بغير تجارب حتى يكون أول رجل في حياتها وآخر رجل، ولم يتزوج إلا من وثق بأنها هي التي بحث عنها طوال سنوات، وما إن أصبحا وحدهما حتى ساعدته على نزع ثيابه بحركات متعجلة ثم شهقت مدهوشة، وقالت له، وهي تحملق إليه: "سبحان الخالق! كنت أظن أن مكان الخنصر هو في اليدين والقدمين، ويبدو أني كنت مخطئة.
فابتسم حسن بغبطة وزهو، وازداد وثوقه بأن زوجته هي فعلاً البريئة المغمضة العينين التي كان يبحث عنها.
[13]"
غير أن الهم الاجتماعي الذي كتب فيه زكريا كان يتسع في أحيان كثيرة، ليشمل الهم الوطني والقومي، والإنساني، إذ كثيراً ما يصور نماذج مختلفة للطغاة والجبابرة الذين يقهرون الشعوب المغلوبة على أمرها، ففي قصة الولادة، وهي ضمن متوالية قصصية حملت عنوان "بيت كثير الغرف"، يكون الرجل الغني القوي الماكر قادراً على شراء كل شيء، بما في ذلك الإنسان:
"استولى أقوى الرجال وأغناهم وأمكرهم على أراض ذات سهول وجبال وأودية، واستولى على سماء وشمس وقمر ونجوم تتلألأ حين يسود الظلام، واستولى على غيوم ترحل من مكان إلى مكان، واستولى على ربيع وصيف وخريف وشتاء، واستولى على قطط وكلاب وطيور، واستولى على صحارى وبحار وبحيرات وأنهار، ثم تفحّص ملياً ما استولى عليه، فرأى أنه أصبح مالكاً لوطن لا ينقصه إلا الرجال والنساء والأطفال، فظفر توّاً بما ينقصه وبغير جهد
[14]".
وإذ يعالج القاص قضايا الانتماء والهوية الوطنية والقومية، فإن ذلك لا يبرز على حساب الهم، وكثيراً ما تختلط صور البلدان الفقيرة والمتخلفة والنامية ببعضها ببعض حين تتشابه الظروف والأحوال، في قصة "لماذا" يتساءل السارد عن سر الهزيمة غير الرغم من أن الإعلام أوسع الأعداء شتماً:
"سأل التلميذ معلمه: ما الفارق بين الحيوان والإنسان؟
فقال المعلم للتلميذ: الحيوان لا يتكلم والإنسان يتكلم.
لم يكذب المعلم، ونحن - العاملين في الإذاعة والتلفزيون والصحف - خير من تكلم.
فإلى خالق السموات والأرض الذي منحنا الألسنة، نقدم الشكر والامتنان، ففوائد الكلام لا تحصى، ويوم حاربنا الأعداء، قام كلامنا بدور مشرّف، فجابه الأعداء بشجاعة، وأسقط طائراتهم، ودمّر دباباتهم وأباد جنودهم.
فلماذا حدث ما حدث وحلّت بنا الهزيمة مع أن كلامنا جاهد جهاد الأبطال؟
[15]"
وعلى الرغم من قتامة الصورة التي يعرضها زكريا فإن التفاؤل موجود في قصصه من خلال الأطفال بشكل خاص، فهم عدة المستقبل في رأي زكريا الذي أفرد لهم عدة قصص في مجموعاته، ففي قصة "لماذا" ينتصر الأطفال على الملك من خلال الابتسامة:
"شاهد الملك يوماً عدداً لا بأس به من الأولاد يلعبون في أحد الحقول الخضراء ويضحكون بمرح، فسألهم: لماذا تضحكون؟
قال أحد الأولاد: أضحك لأن السماء زرقاء.
وقال ولد ثان: أضحك لأن الأشجار خضراء.
وقال ولد ثالث: وأنا أضحك لأن العصافير تطير.
فنظر الملك إلى السماء والعصافير والأشجار، فألفاها لا تضحك، فاقتنع بأن ضحكات الأولاد لا هدف لها سوى الهزء بهيبته الملكية، فعاد إلى قصره، وأصدر أمراً بمنع أهل مملكته من الضحك، فأطاع الناس الكبار السن، وكفوا عن الضحك. غير أن الأولاد الصغار لم يبالوا بأمر الملك وظلوا يضحكون لأن الأشجار خضراء والسماء زرقاء والعصافير تطير
[16]".
في هذه القصة يضحك الأطفال من أجل أمور خارجة عن إرادة الملك، أما الكبار فيضحكون لأشياء ربما ضمن سيطرته، وهذا يعني عدم إمكانية ضبط الطفل وحلمه وابتسامته، وإذا كانت إحدى قصص زكريا أنتجت نمراً مروضاً وبشراً مروضين فإن الطفال عنده، خارج هذه الرؤية، وهذا ما تؤكده أيضاً قصة الساحر التي أحيت الحب والإنسانية في نفوس الجنود.
فالحكاية تتحدث عن ضابط يأمر خمسة من جنوده بإطلاق النار على قلب طفل، وإذ يضحك الطفل يتذكر الجنود الخمسة أياماً جميلة في حياتهم، وتكون النهاية المفاجئة التي يلعب فيها زكريا لعبة اللغة ببراعة فائقة منذ الجملة الأولى التي تنجح في أن توقف نبض القلب، ثم يفتح لنا عالماً فسيحاً يشع من عيني ذلك الطفل:
"وبادر الجنود الخمسة إلى إطاعة الأمر العسكري، وأطلقوا نيران بنادقهم على صدر ضابطهم الذي تهاوى أرضاً مثقوباً خمسة ثقوب دامية، وانتظروا غير آسفين أن تطلق النار عليهم، ولكنهم ظلوا أحياء ومات كل آمر بإطلاق النار"
[17].
وفي هذه الحكاية لا يعبأ القاص بالنظام الثلاثي التعاقبي المعروف للحكاية، إذ لم يجعل الجنود ثلاثة، يتذكر كل منهم شيئاً، ولكنه جعلهم خمسة، وكان من الممكن أن يجعلهم أكثر من ذلك لو تطلبت الحكاية، فهو يعول على مبدأ الضرورة، بعيداً عن التقليد، وحسبه أنه لا يشبه إلا نفسه. ولنا هنا أن نمتع أبصارنا بهذا النسق السردي الذي يرصد الذكريات التي استدعتها ضحكة الطفل وهي تقابل أمر إطلاق النار:
"واختلط صوت الضابط الصارم الآمر بضحكة ندت عن الطفل، وبلغت مسامع الجنود الخمسة، فتذكر الأول زوجته الجميلة حين تضحك، وتذكر الثاني سريره قرب نافذة تطل على نهر، وتذكر الثالث شارعاً مشجراً يمشي فيه مثرثراً مع صديق، وتذكر الرابع يوم كان صغير السن يعلمه أبوه صيد السمك على شاطئ بحر، وتذكر الخامس أمه تكبر في السن فجأة حين مرض."
[18]
هذه الضحكة الآسرة إذاً أعادت إلى ذاكرة الجنود كل ما هو خصب ودال، وكل ما هو إنساني، لقد مارست دور السحر، لذلك ليس غريباً أن يطلق القاص على قصته اسم "الساحر"، ويقدم لنا من خلال ستة عشر سطراً قصة تختلط فيها الجزئيات الصغيرة الدالة بسحر الضحكة التي تختلط بدورها بسحر العنوان واللغة البديعة.
وكثيراً ما يتستعين القاص بالطبيعة لكي يبرهن على رؤيته التفاؤلية حين تضيق به الحال من الناس، مما يجسد إيمانه بحتمية التغيير، يقول في قصة "الشتاء":
"أعلن صنّاع السّرر الإضراب عن العمل مطالبين بزيادة أجورهم.
وحين نمي النبأ إلى الملك لم يغضب إنما ابتسم بحنو، وقال متسائلاً: من أيّ شيء تصنع السّرر؟
فقيل له إنها تُصنع من خشب الأشجار، فابتسم الملك ثانية، وأمر الأشجار بأن تنبت سرراً غير أنها لم تطع الأمر الملكي، فاستاء الملك، وحكم على الأشجار بالموت عطشاً.
وفرح الملك أشد الفرح إذ ألفى الأشجار موشكة على الهلاك إثر منع الماء عنها، ولكن فرحه ما لبث أن توارى يوم أقبل الشتاء"
[19].
وهو إذ يطرح في قصة أخرى بعنوان "انتظار امرأة" مشكلة إنسان يولد دون رأس يفتح أمامنا سؤالاً على مصراعيه: من هو هذا الإنسان؟ هل هو مجرد إنسان عادي؟ أو أنه هوية للإنسان في العام الجديد الذي لا يقيم وزناً لرؤى الإنسان وأحلامه، يقول في قصة انتظار امرأة:
"ولد فارس المواز بغير رأس، فبكت أمه وشهق الطبيب مذعوراً، والتصق أبوه بالحائط خجلاً، وتشتت الممرضات في أروقة المستشفى.
ولم يمت فارس كما توقع الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتذمر ولا يشتغل، فحسده كثيرون من الناس، وقالوا عليه إنه ربح أكثر مما خسر.
ولم يكف فارس المواز عن انتظار امرأة تولد بغير رأس حتى يتلاقيا وينتجا نوعاً جديداً من البشر آملاً ألا يطول انتظاره".
[20]
إننا، ونحن نستعرض هذه القصص القصيرة جداً نحاول، بوصفنا نقاداً، أن نلحق بالنص الذي يبدعه زكريا، بعد أن يأسرنا، ويحملنا على أجنحة الماضي، إذ نتذكر معه أبا حيان التوحيدي، وطارق بن زياد والمتنبي، ونعيش معه الحاضر ونعانق أرق المستقبل، وما هذا إلا لأنه مشغول بالتجديد والتجاوز والاختيار، من أجل أن يقدم لنا صفوة ما يكتب، وحسبه أنه اكتفى بعد أكثر من أربعين عاماً من الكتابة بتسع مجموعات قصصية.
هوامش



لزكريا تامر تسع مجموعات قصصية فقط، خلال أعوامه الأربعين:

1. صهيل الجواد الأبيض ـ 1960.
2. ربيع في الرماد ـ 1963.
3. الرعد ـ 1970.
4. دمشق الحرائق ـ 1973.
5. النمور في اليوم العاشر، رياض الريّس للكتاب والنشر، لندن، ط4، 2000.
6. نداء نوح، رياض الريس للكتاب والنشر، لندن، ط1، 1994.
7. سنضحك، رياض الريس للكتاب والنشر، لندن، ط1، 1998.
8. الحصرم، رياض الريس للكتاب والنشر، لندن، ط1، 2000.
9. تكسير ركب، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ط1، شباط 2002.
1.
[1] الحصرم، رياض الريس للكتاب والنشر، لندن، ط1، 2000، 31ص.

[2] سنضحك، رياض الريس للكتاب والنشر، لندن، ط1، 1998، ص51..

[3] الحصرم، ص75.
[4] الحصرم، ص49.
[5] المصدر السابق، ص105.
[6] نداء نوح، ص355.
[7] الحصرم، ص167.
[8] نداء نوح، ص354.
[9] سنضحك، ص106.
[10] الحصرم، ص149
[11] المصدر نفسه، ص179
[12] نداء نوح، ص ص 370-371.
[13] تكسير ركب، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ط1، شباط 2002، ص13.
[14] سنضحك، ص101.
[15] النمور في اليوم العاشر، رياض الريّس للكتاب والنشر، لندن، ط4، 2000، ص15
[16] المصدر نفسه، ص22.
[17] الحصرم، ص171
[18] المصدر نفسه، ص171.
[19] النمور في اليوم العاشر، ص172.

[20] الحصرم، ص155.